نَسمة تُقرع كراسَها المُغلَق على سطحِ المقعدِ الخشبيِّ وتُنادي بأعلى صوتها: «أتيتُ واجبي يا أطفال!» ترفع ذقنها فوق خصلتَي شعرها، وأصابعُها تُقرّص الغلافَ الأخضرَ بطقطقةٍ هادئة. بين الصفحات أوراقٌ بيضاء لم يُمَسِّسْها قلمٌ قطّ.
وسط غيمةِ الطباشيرِ فوقِ السبورة، عينا حميدة تنزلقان نحوها ببطء. أصابعُ نَسمة تضغط الغلافَ الأخضرَ مرةً أخرى، وطقطقة خافتة تخرج. صمتٌ قصير يملأ الصفّ قبل أن تتحرك خطوة.
حميدة تقطع الممرَّ بين المقاعد الملونة وتفتحُ الكراسَ أمام عيني نَسمة. صفحةٌ بعد صفحة — ورقٌ أبيض ناعم، لا خطّ ولا نقطة. القاعة تصمت كأن أحداً أخرج الهواء من أنفاسها.
أصابعُ نَسمة تعويث قلمَها الرصاصيَّ حتى ينحني طرفُه ويحمرّ. القلم يترقق بين إصبعين، والورقة أمامها لا تحمل سوى ظلّها. صمتٌ ثقيل يملأ الصفّ.
حميدة تدفع كرسيَّها الصغير بجانب نَسمة وتهمس: «لا بأس، قولِ الحقيقةَ ولن أغضب، أنا هنا.» نَسمة تُدسّ الكراسَ تحت المقعد وكأنّها تخفي ثعبانًا صغيرًا.
أقدامُ نَسمة تضرب أرضَ البلاطِ برنينٍ خافتٍ منتظم. الكراسُ يختفي تحت المقعد، والغلافُ الأخضرُ يلامس ساقَها. الصفّ كلُّه صامت، وعينا حميدة لا تتركانها.
نَسمة ترفع يدَها العالِية فوق رؤوس زميلاتها وتقول: «...كذبتُ. كراسي فارغ.» الأحرفُ تخرج واحدًا واحدًا، وثقيلة كالشمعةِ المطفأة. الصمتُ يسقط على الجدرانِ الزرقاء.
ثمّ — طَقطَقة. بنتُ المقعدِ الأماميِّ تضرب كفَّيها معًا. ضربة، ثمَّ ثانية، ثمَّ ثالث. الجدرانُ الزرقاءُ تمتصُّ الصوتَ قبلَ أن يتضاعف.
التصفيقُ يتضاعفُ كالمطرِ على سقفٍ صفيحيّ. حميدة تبتسم وتومّز برأسها. نَسمة تخرج قلمَها من جيبها ببطء، كأنّها تخرج سرًا قديمًا.
نَسمة تضع رأسَها على الكراسِ الفارغ وتكتب بحرفٍ مائلٍ أوَّلَ سطرٍ — حقيقيّ هذه المرّة. خيطُ ضوءِ الشمسِ يقطعُ النافذةَ ويتسلّلُ على الورقةِ البيضاء. القلمُ يغرغرُ على الورق لأولِ مرة.