الجَدّةُ تَروي للـحَلقةِ حكايةَ غَوّاصٍ صَعِدَ من قاعِ البحرِ ويدُه تلمعُ باللؤلؤ. راشدُ يَدوِرُ صُورَتَهُ النِّحاسِيَّةَ بينَ أنامِلِه، يُدخِنُ صَوتَ الماءِ في الحروف. الصُّورَةُ تَلمعُ كَمِفتاحٍ قَدِيم. الأطفالُ يَفتَحونَ عيونَهُم ويُنصِتون.
راشدُ يُمَدُّ يدَهُ إلى جَانبِهِ – الصُّورَةُ غائبة. «أينَ...» يَهمسُ، وصَوتُهُ يَختفي بينَ رُكَبِ الحَلقة. عيناهُ تَجرّانِ على صناديقِ اللؤلؤِ المُفتَحةِ فوقَ الرَّمَلِ الدافئ. فَراغٌ في الكَفِّ. فَراغٌ يَقطَعُ السَّردَ.
راشدُ يَجرِي حافَةَ الشَّاطئِ بينَ قواربِ الدَّوِّ، نعلاهُ تَطِرانِ مَشرى الماءِ الدافئ. رِياحُ الخليجِ تَجرُّ شِراعَها المُطْوِيَ كَأَكمامِ ثَوبٍ مُتَّسَخ. يَصرُخُ «أينَ أينَ» مَعَ كُلِّ قائِمَة. الرَّمَلُ يَبتَلُّ تَحتَ خُطاه.
راشدُ يَوقوفُ أمامَ الصَّيَّادِ ويَستَعِرُ صَوتًا صَغيرًا: «شوَدتَ شيئًا؟» الصَّيَّادُ يُمسِكُ حافَةَ شِباكِهِ، يَقطُرُ المِلحُ عَنِ الصَّيبِ. «كُلُّ قاربٍ هُنا يَحفَظُ سِرًّا، يا ابنِي، كحكايةِ الجَمعِ التي حَفَظْنا.»
راشدُ يَفتَحُ صَندوقَ لؤلؤٍ فارغًا. أصابعُهُ تَمَسُّ القَعرَ الصَّلب. يُغلِقُهُ. الرَّمَلُ يَبتَلُّ بينَ أصابعِهِ كَماءِ مِجرًى صَغير. يَرفَعُ رَأسَهُ – لا شَيء. الفَراغُ يَعِضُّ أذُنَيه.
قُبَلَ فُوانيسِ النُّحاسِ المُعلَّقةِ تَحتَ النخيل، راشدُ يَطرُقُ مُسنًّا على حَصيرتِهِ: «شوَدتَ شيئًا؟» المُسنُّ يَضحَكُ – ضَحكَةً مَجرُوحة. «ابنُ جارَتِكِ الخَصَفَها مِنكَ يا فَتًى، وهيَ الآنَ تَحتَ قاعِ قاربِ الدَّوِّ القَدِيمِ!»
راشدُ يَنحني. يَدُسُّ يدَهُ في أحشاءِ القاربِ – ظَلامٌ وخَشَبٌ رَصيص. أصابعُهُ تَمَسُّ شِراعًا مُبَعْجَجًا... والصُّورَةُ! مغلَّفةٌ فيه. تَقبِيضُ الكَفِّ يَقطَعُ النَّفَس. تَبَسُّمُ الصَّغيرةِ يَستقبِلُهُ من وَراءِ أعمدةِ النخيل. «وَجَدْتُها.»
راشدُ يَعودُ إلى الحَلقةِ والصُّورَةُ في كَفِّهِ. يَضعُها على رُكبةِ الجَدّة. عيناها تَضيَّقانِ: «أهذي التي أخَذَها مِنِّي حينَ كُنتَ في السَّنةِ!» راشدُ يَجرثو بجانِبِها: «كمّلي يا جَدّيتي... مِن عِندِ الغوَّاصِ الذي صَعِدَ.»
الجَدّةُ تَفتَحُ شِفاعَها. صَوتُها يَعودُ كماءِ مِجرًى الخَشَبِ الهادئ – بَطيء، دافئ، يَقطُر. راشدُ يَجتَوي بجانِبِها، رُكبتاهُ مَنصِبَتان. السُّكونُ يَملأُ الدَّائِرَةَ مِثلَ مِخلَةٍ مَفتوحة.
الحَلقةُ تَضُمُّ راشدَ بينَ أطباقِ رُكَبِ الأطفال. الجَدّةُ تَحمي: «وَكانَ الغوَّاصُ قد حَمَلَ في يدِهِ لؤلؤةً لا تَومِضُ كسائرِها...» راشدُ يَداري الصُّورَةَ بينَ أنامِلِهِ. الفَوانيسُ النُّحاسِيَّةُ تَعتَسِفُ في آخِرِ خيطٍ منَ الغُروب. قاربُ الدَّوِّ يَهنَزُّ على الماءِ كأنَّهُ يَتنَفَّس.