يُقدم محمد كعبَ قدمِه العارية إلى الكرة المستعملة ويركلها نحو الجدار الرماديّ. الصنبور القديم المعلَّق عليه يطنّ عند الارتطام، وغيثٌ بارد ينسكب على وجهه المنكّش. يمسحُ الماء من حاجبيه بكفٍّ صغيرة، والحصى تحت قدميه يئنّ تحت كلِّ ضغطة.
«مرّةً أخرى!» يزمجر محمد، ويدفع الكرة تحت الباب الموارب. الحصى تحت قدميه العاريتين يئنّ، والباب يتنهد على مفصله الصدئ. يُخرج الكرة، يركلها. تُطير، تنحطّ، تعود. يركلها مرّةً أخرى.
بين حبال الغسيل الرطبة المتدلّية من أسلاك شائكة، يمدُّ الفناء الترابيّ حتى الزاوية المكسّرة. زجاجُ النوافذ على الجانبين يهتزّ خفيفاً. كرةٌ مستعملة تنطّ وحدها على الحصى، والرنين يملأ الصمت.
في اليوم الثالث، يقف فتى أكبر بعمرَين عند المدخل. «صغير أكثر من أن تلعب معنا!» يصرخ، وصوتُه يقطع رنين الكرة. محمد لا يردّ. يقفُ مكانه، والفتى يلوحُ ويختفي خلف حبل الغسيل.
محمد لا يردّ. يدير الكرة بين أصابعه، ثمّ يدفعها بيدٍ واحدة نحو الأرض المكسّرة. صوتُ ارتدادها كطبلة. مرّة. مرّة ثانية. الإيقاع يضرب جدران الحارة من داخلها.
شهورٌ تمرّ، والمربّع العشوائي يكبر — تراب محاط بحواجز حديدية مكسورة وشباك بالية. محمد يسجّل أهدافاً يتعسّرها الأطفال الكبار. عمّ صالح، حارس البوابة، يرفع صافرته الصغيرة بعد كلِّ هدف.
التصفيق ينهمر من الطوابق العليا، أصواتٌ تهتف باسمه. الفتى الذي قال «صغير» يقف الآن خلف المرمى، وعيناه مضمومتان على الكرة كلَّ ما لامست الشباك. عمّ صالح يصفرّ. الصفارة تقطع الصمت.
الضوء الأبيض يملأ الساحة الكبرى. رائحة العشب المقصوص تلتحم برائحة الكراسي الجلدية العتيقة. محمد يقف على خطّ الجزاء، والكرة تدور بين قدميه. الجمهور يهدأ. الهدأة أثقل من أيِّ تصفيق.
يركلها. الكرة تميل، تسير، تنحني في الهواء الأبيض. تدخل الزاوية البعيدة. صمتٌ لثانية واحدة. ثمّ صرخة. شخبِة تلتهم المدرّجات، والكرة المرقّعة تلمع في الشباك البيضاء.
محمد يقف في وسط الملعب ويرفع يدَه اليمنى نحو السقف الخرسانيّ الذي يئنّ. ينظر إلى حذائه الباهت — نفس الحذاء الذي ارتداه في حارتِه. لاعبٌ كبير يجلس على العشب بجانبه. خلفه، عمّ صالح يصفرّ، والصوت يضيع في الهدير.