تَعَثَّرَ أَحْمَدُ بِجِذْعِ شَجَرَةٍ قَدِيمَةٍ، فَهَوَى نَحْوَ وادٍ مُشْرِقٍ يَتَلَأْلَأُ فِي الأفْقِ. وَوَقَفَ عَلَى قَدَمَيْهِ لِيَرَى دِينَاصُوراتٍ عَظِيمَةٍ بألوانَ زَاهِيَةٍ تَتَحَرَّكُ بَيْنَ الأعْشَابِ الخَضْرَاءِ النَّاعِمَةِ. اِبْتَسَمَ وَأَخَذَ خَطْوَةً نَحْوَها، وَأَهْمَسَتِ الرِّيحُ بِنَسِيمٍ دَافِئٍ يَحْمِلُ رَائِحَةَ أَزْهَارٍ غَرِيبَةٍ.
اِقْتَرَبَ أَحْمَدُ مِنْ دِينَاصُورٍ أَزْرَقَ ضَخْمٍ، فَنَحْنَحَ لِيَلْمِسَ وَرَقَةَ نَبَاتٍ لَامِعَةً قَرِيبَةً. تَحَوَّلَتِ الورقةُ إلى فَرَاشاتٍ وَرَقِيَّةٍ تَطِيرُ حَوْلَ رَأْسِهِ، فَاضْحَكَ بصوتٍ عالٍ نَقَلَ سُرُورَهُ لِلْهَوَاءِ.
اِسْتَمَرَ أَحْمَدُ يَمْشِي فِي الوَادِي، وَبَيْنَ الحَصَى المُتوهِّجِ ظَهَرَ صَدِيقٌ أَصْفَرُ يَحْرُسُ الطَّرِيقَ. رَفَعَ أَحْمَدُ كَفَّيْهِ فِي اِسْتِسْلَامٍ، فَلَمْ يَتَذَنَّبِ الصَّغيرُ مِنْ هَذَا الكَائِنِ اللَّطِيفِ.
دَحْرَجَ الدِّيناصُورُ الأَصْفَرُ الصَّخْرَةَ بِنَفْسِهِ، فَأَصْدَرَ نَغْمَةً موسيقِيَّةً عَمِيقَةً تَمْتَلِئُ بها الرِّيحُ. اِنْتَشَرَتِ النُّغْمَةُ فِي الوَادِي المُنِيرِ، وَتَبَسَّمَ أَحْمَدُ مِنْ خَلْفِهِ.
سَمِعَ أَحْمَدُ صَوْتَ زَئِيرٍ بَعِيدٍ فَجَرَى نَحْوَ مَصْدَرِهِ، يَدْفَعُهُ شَوْقُهُ لِيَرَى مَا يَخْفِيهِ الغَابُ الكَثِيفُ.
وَجَدَ دِينَاصُورًا عَمْلَقًا مُحْصَرًا تَحْتَ جُذُورِ شَجَرَةٍ ضَخْمَةٍ. حَاوَلَ سَحْبَهَا بِوَحْدِهِ فَفَشِلَ، وَأَبْصَرَ قُوَّةً لا تَخْفَى.
نَفَخَ الدِّيناصُورُ الهَوَاءَ فِي أَنَافِهِ، فَاِنْتَفَخَ كَالْبَالُونِ ثُمَّ اِنْزَلَقَ بِحُرِّيَّةٍ، وَأَخْرَجَ نَفَسًا عَرُوضًا كَالصَّفِيرِ اللَّطِيفِ. بَرِئَ الْعِلْجُ مِنْ كُلِّ مُعَانَاةٍ.
رَجَعَ أَحْمَدُ إِلَى الوَادِي المُشْرِقِ، وَالدِّيناصُوراتُ تُنتَظِرُهُ. أَمَدَّتْ رُءُوسَهَا لِيَلْمِسَهَا بِلُطْفٍ، فَظَهَرَ طَرِيقٌ مُضِيءٌ بَيْنَ الأشْجَارِ.
اِلْتَمَسَ أَحْمَدُ رُءُوسَ الدِّيناصُوراتِ بِلُطْفٍ، فَتَحَرَّكَ الطَّرِيقُ المُنِيرُ وَانْفَتَحَ قُدُّامَهُ نَحْوَ بَيْتِهِ.
اِسْتَمَرَّ الطَّرِيقُ المُنِيرُ يَدُلُّهُ نَحْوَ دَارِهِ، وَصَوْتُ خُطُواتِ الدِّيناصُوراتِ الهَادِئَةِ يَتْبَعُهُ مِنْ وَرَائِهِ. حَمَلَ أَحْمَدُ ذِكْرَى مَغَامَرَتِهِ الكُبْرَى.
اِنْتَشَرَ الصَّمْتُ العَطِرُ فِي الوَادِي، وَالشَّمْسُ تَغْرُبُ وَرَاءَ التِّلاَلِ. ضَحِكَ أَحْمَدُ فِي خَفِيَّةٍ، وَهَمَسَ: 'سَأَعُودُ.'
وَفِي اللَّيْلِ، حَلَمَ أَحْمَدُ بِالوَادِي المُشْرِقِ، وَالدِّيناصُوراتِ الصَّديقاتِ، وَالفَرَاشاتِ الوَرَقِيَّةِ تَطِيرُ حَوْلَ رَأْسِهِ أَيْضًا.