مَشَتْ جُوَانَا وَحْدَهَا عَلَى الرُّصِيفِ، وَتَصَفَّقَتْ بِإيقَاعِ نَشِيدٍ مَدْرَسِيٍّ جَدِيدٍ. سَمِعَتْ صَوْتًا خَفِيفًا مِنْ وَرَاءِ شَجَرَةِ السِّنْدَيَانِ، فَالتَفَّتْ لِتَرَى شَيْئًا يَتَحَرَّكُ خَلْفَ الجِذْعِ. ثُمَّ سَمِعَتْ نَقْرًا خَفِيفًا. قَالَتْ: «مَنْ هَذَا؟»
اِمْتَدَّتْ كَفَّهَا، وَأَخَذَتِ امْرَأَةٌ جَالِسَةٌ عَلَى حَافَّةِ جِدَارٍ طَعْمَةً مِنْ شريحة خبز بالجبنة. رَائِحَةُ الخَبْزِ الْمُحَمَّصِ تَتَرَدَّدُ فِي الهَوَاءِ البَارِدِ. قَالَتْ: «أَنَا إيلا. هَلْ تُرِيدِينَ أَنْ تَمْشِي مَعِي؟» مَشَيَتَا جُنْبًا إِلَى جُنْبٍ نَحْوَ البَوَّابَةِ.
حَوْلَتَا مَرَّةً أُخْرَى. قَامَتْ إيلا بِقَفْزَةٍ صَغِيرَةٍ فَوْقَ بَرَكَةٍ، وَلَكِنْ مِيَاهُهَا بَرْدَةٌ وَرَطِبَتْ حُذَاؤَهَا. قَالَتْ جُوَانَا: «سَأَحْتَسِبُ! وَاحِدٌ، اثْنَانِ، ثَلَاثَةٌ!» عِنْدَ السَّبْعِ قَفَزَتْ إيلا وَفَازَتْ بِالأَرْضِ الجَّافَّةِ. ضَحِكَتَا بِفَرْحٍ.
اِسْتَمَرَّتَا فِي المَشْيِ. سَمِعَتْ جُوَانَا جَرَسَ المَدْرَسَةِ يَنُوقُ بَعِيدًا. قَالَتْ: «يَبْقَى وَقْتٌ قَلِيلٌ!» تَسَارَعَتْ خُطَاهَا، وَتَابَعَتْهَا إيلا وَهِيَ تَضْحَكُ. فِي الأفْقِ، بِنَاءُ المَدْرَسَةِ يَقِفُ بَيْنَ أَشْجَارِ الخَرُوبِ.
تَوَجَّهُتْ جُوَانَا إِلَى عَمُودِ الإِنَارَةِ. عَلِقَ عَلَيْهِ إِعْلَانٌ مَلَوَّنٌ يُعلِنُ عَنْ مَسَابِقَةِ المَوَاهِبِ الأُسْبُوعِيَّةِ. قَالَتْ: «سَأَكْتُبُ اسْمِي!» بَحَثَتْ فِي جَيْبِهَا عَنْ قَلَمٍ وَلَمْ تَجِدْ. قَالَتْ: «لَا شَيْءَ!»
أَهْمَسَتِ إيلا: «أَنَا خَجُولَةٌ.» تَلَمَّسَتْ جُوَانَا جَيْبَ حَقِيبَةِ وِجْبَتِهَا، وَوَجَدَتْ قَلَمًا لَامِعًا. كَتَبَتَا الأَسْمَاءَ بِحُرُوفٍ مَرْحَةٍ. فَوْقَ الوَرَقَةِ، حَطَّتْفَرَاشَةٌ زَرْقَاءُ صَغِيرَةٌ وَنَشَرَتْ جَنَاحَيْهَا. رَتَجَفَ الإِعْلَانُ بِنَسِيمِ الصَّبَاحِ.
وَصَلَتْ جُوَانَا إِلَى بَوَّابَةِ المَدْرَسَةِ، وَلَكِنَّ البَابَ الخَشَبِيِّ كَانَ مُغْلَقًا. سَمِعَتْ أَجْرَاسَ السَّاعَةِ الدَّاخِلِيَّةَ تَتَحَرَّكُ بِنَغْمَةٍ مُتَسَارِعَةٍ. زَادَ وَتِيرَةُ خُطَاهَا. تَلَألَأَ وَجْهُ إيلا بِالْقَلَقِ.
فَجْأَةً، فُتِحَ البَابُ وَتَبَسَّمَ الحَارِسُ حَامِلًا صِينِيَّةً مِنْ عُلَبِ العَصِيرِ الطَّازِجَةِ. قَالَتْ جُوَانَا: «شُكْرًا!» اِنْتَشَرَتْ رَائِحَةُ البُرْتُقَالِ العِطْرِيَّةُ فِي الهَوَاءِ. ضَحِكَتْ إيلا وَانْدَفَعَتَا إِلَى الدَّخُولِ.
جَلَسَتْ جُوَانَا فِي مَقْعَدِهَا، وَفَرَغَتْ أَقْلَامَهَا المُلَوَّنَةَ عَلَى الطَّاوِلَةِ. وَزَّعَتْ إيلا قِطَعَ البِسْكُويتِ بَيْنَ الزُّمَلائِ. اِنْتَشَرَتْ رَائِحَةُ الخَبْزِ الطَّازِجِ فِي الغُرْفَةِ. تَرَنَّجَرَتْ صَفَحَاتُ الكُتُبِ وَتَحَرَّكَتِ الأَرْجُلُ تَحْتَ الطَّوَلاَتِ.
دَخَلَ المُعَلِّمُ الصَّفَّ، وَبَدَأَ الدَّرْسَ الأَوَّلَ بِاِبْتِسَامَةٍ عَرِيضَةٍ. قَالَتْ جُوَانَا لِإيلا: «هَذَا سَيَكُونُ يَوْمًا جَمِيلًا!» نَظَرَتَا إِلَى الْوَرَقَةِ الَّتِي كَتَبَتَا عَلَيْهَا الأَسْمَاءَ، وَفَرَاشَةٌ زَرْقَاءُ صَغِيرَةٌ حَلَقَتْ فَوْقَهُمَا.