تَنكَشِفُ وَرَقَةٌ مَطْوِيَّةٌ بَيْنَ صَفَحَاتِ كِتَابٍ قَدِيمٍ فِي الْمَكْتَبَةِ السَّاحِلِيَّةِ. تَكْتُبُ الْخَطُّ الْمَنْدُوبُ: "اِتَّبِعِي صَوْتَ الْمَوْجِ نَحْوَ الْمِنْارَةِ." تَمْسِكُ سَارَةُ الْوَرَقَةَ وَتَسْمَعُ أَمْوَاجَ الْبَحْرِ.
تَمْسِكُ سَارَةُ الْوَرَقَةَ بِيَدَيْهَا. قَلْبُهَا يَنْبَضُ بِالسُّؤَالِ. مِنْ وَرَاءِ النِّافِذَةِ الْكَبِيرَةِ، تَسْمَعُ دَوِيِّ الْمَوْجِ يَحُطُّ عَلَى الشَّاطِئِ. تَرْفَعُ بَصَرَهَا حَاوِلَةً أَنْ تَرَى الْمِنْارَةَ فِي بُعْدٍ بَعِيدٍ.
تَخْرُجُ سَارَةُ مِنْ الْمَكْتَبَةِ وَتَتَجَهُّ نَحْوَ الشَّاطِئِ. حَمَلَتْ كَامِيرَتَهَا عَلَى عُنُقِهَا وَبِيَدِهَا الْوَرَقَةُ. الرِّجْلَانِ تَمْشِيَانِ عَلَى الرِّمَالِ النَّاعِمَةِ، وَالرِّيحُ تَلْعَبُ بِشَعَرِهَا. الْمِنْارَةُ تَبْدُو كَنُقْطَةٍ صَغِيرَةٍ فِي الْأُفُقِ.
عِنْدَمَا قَرُبَتْ مِنْ قَاعِدَةِ الْمِنْارَةِ، لَاحَظَتْ شَيْئًا تَحْتَ الدَّرَجِ الْحَلْزُونِيِّ. كَانَ صُنْدُوقًا خَشَبِيًّا قَدِيمًا، عَلَيْهِ لَطْخَةُ طِلَاءٍ مُضِيئَةٍ تَتَلَئَلَأُ فِي ضَوْءِ الْغُرُوبِ. جَثَتْ عَلَى رُكَبَتَيْهَا وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ بِعَجَبٍ.
فَتَحَتْ سَارَةُ الصُّندُوقَ بِحَذَرٍ. دَافَنَتْ عَيْنَاهَا فِي جُمْلَةِ صُوَرٍ فَوتُوغْرَافِيَّةٍ قَدِيمَةٍ لِوُجُوهِ غُرَبَاءَ مُبْتَسِمِينَ. وَبَيْنَهَا وَرَقَةٌ أُخْرَى كُتِبَ عَلَيْهَا: "صُورَتِي مِنْ تَجِدُّ هَذَا الصُّندُوقَ — عِنْدَمَا تَكُونِينَ مُسْتَعِدَةً." رَفَعَتْ كَامِيرَتَهَا بِسُرْعَةٍ.
أَتَتْ سَارَةُ أَمَامَ عَدَسَةِ الْكَامِيرَةِ. فِي الإطَارِ ظَهَرَ وَجْهُ أُمِّهَا يَبْتَسِمُ. وَقَفَتْ بِالسُّرْعَةِ نَظَرَتْ حَوْلَهَا مِنْ دُونِ أَنْ تَرَى أَحَدًا. قَالَتْ بِصَوْتٍ خَفِيفٍ: "أُمِّي؟" قَلْبُهَا يَصْفُقُ بِلُغَةِ الْعَجَبِ.
صَعِدَتْ سَارَةُ دَرَجَ الْمِنْارَةِ إِلَى الشَّرَفَةِ الْعُلْيَا. الرِّجْلَانِ تَخْفِقَانِ عَلَى الْحَدِيدِ. تَوَقَّفَتْ عِنْدَ حَافَّةِ الشَّرَفَةِ وَرَفَعَتْ كَامِيرَتَهَا. أَشْعَتُهَا الْوَحِيدَةُ الْفَاخِرَةُ تَمَسُّ سَطْحَ الْبَحْرِ بِالذَّهَبِ.
أَطْبَقَتْ عَيْنَيْهَا وَتَلْقَفَتِ اللَّحْظَةَ. الْبِكْسَلُ صَارَ فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ. عِنْدَمَا فَتَحَتْ عَيْنَيْهَا، وَقَفَتْ أُمُّهَا عِنْدَ دَاخِلِ الْمِنْارَةِ. قَالَتْ: "هَذِهِ كَانَتْ صُورَتِي الْأَخِيرَةَ قَبْلَ رَحِيلِي. تَرَكَتُهَا لَكِ عِنْدَمَا تَعْرِفِينَ مَا تَبْحَثِينَ عَنْهُ."
أَبْقَتْ سَارَةُ الصُّورَةَ الْجَدِيدَةَ قَرِيبًا مِنْ صُورَةِ جَدَّتِهَا الْمُرْسَلَةِ فِي النافِذَةِ. فَتَحَتِ الْكُتُبَ الْقَدِيمَةَ وَوَجَدَتْ صَفَحَاتٍ فَارِغَةً. كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَتَخَيَّلُ الْمَجْرُوتَاتِ الَّتِي سَتَلْقَاهَا الْيَوْمِ.
غَرَبَتِ الشَّمْسُ بِهَدْءٍ وَرَسُولُ السَّلَامِ يَمْلَأُ الْقَاعَةَ. تَبَسَّمَتْ سَارَةُ وَأَطْفَأَتْ عَادَةَ كَامِيرَتِهَا. ضَعَتْهَا بِجَانِبِهَا وَنَظَرَتْ إِلَى الْوَرَقَةِ الْمَطْوِيَّةِ. قَالَتْ: "أَنَا مُسْتَعِدَةٌ. لَنْ أَتَوَقَّفَ."