يَجْلِسُ ألانُ عَلَى مَقْعَدِ الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ فِي الْقِطَارِ، وَيَضَعُ جَبْهَتَهُ عَلَى الزُّجَاجِ الْبَارِدِ بَيْنَمَا تَنْزِلِقُ مَحَطَّاتُ مَدِينَتِهِ لِلْخَلْفِ وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى. أصَابِعُهُ تَلْعَبُ بِحَوَافِّ تذْكِرَةِ السَّفَرِ، وصَوْتُ عَجَلَاتِ الْقِطَارِ يُصْدِرُ نَقَرَاتٍ مُنْتَظِمَةً.
رَجُلٌ عَجُوزٌ بِلِحْيَةٍ فِضِّيَّةٍ جَالِسٌ عَابِرَ الْمَمَرِّ، يَمُدُّ لَهُ وُرْقَةً مَطْوِيَّةً عَلَيْهَا رَسْمٌ لِمُدُنٍ وَوَاهَاتٍ لَمْ يَرَهَا مِنْ قَبْلُ. يَفْتَحُهَا بِبُطْءٍ وَيَبْدَأُ بِالسَّرْدِ عَنْ بُسْتَانِ النَّخِيلِ وَقُرًى حِجَارِيَّةٍ تَلْمَعُ تَحْتَ الْقَمَرِ.
يَصِلُ الْقِطَارُ إِلَى مَحَطَّةٍ صَغِيرَةٍ غَيْرِ مَذْكُورَةٍ فِي أَيِّ جَدْوَلٍ، وَتَتَوَقَّفُ بَيْنَ حُقُولٍ صَعْبَةٍ. يَفْتَحُ الْعَجُوزُ بَابَ الْعَرِبَةِ وَيَخْرُجُ أَوَّلًا، ثُمَّ يَمُدُّ يَدَهُ لِلْوَلَدِ دَاعِيًا إِيَّاهُ إِلَى الْخَارِجِ.
يَعْبُرُ الْوَلَدُ وَالْعَجُوزُ حَقَلًا ضَيِّقًا بَيْنَ صُخُورٍ حَمْرَاءَ حَتَّى يَصِلَا إِلَى بِئْرِ مَاءٍ صَغِيرٍ. تَجْمَعُ تَحْتَهُ بُرْكَةٌ زُجَاجِيَّةٌ تَعْكِسُ السَّمَاءَ بِشَكْلٍ كَامِلٍ. يَضَعُ الْعَجُوزُ كَفَّيْهِ عَلَى سَطْحِ الْمَاءِ ثُمَّ يُشِيرُ لِلْوَلَدِ أَنْ يَفْعَلَ الْمِثْلَ.
يَرَى الْوَلَدُ وَجْهَهُ الْمُنْعَكِسَ أَوَّلَ مَرَّةٍ لَيْسَ فِي مِرْآةِ غُرْفَتِهِ، بَلْ فِي سَمَاءٍ لَا سُقْفَ لَهَا. يَهْمِسُ الْعَجُوزُ: «لَمْ أَسْبِقْ أَنْ رَأَيْتُ طِفْلًا يَعجَبُ مِنْ مَنْظَرِ مَاءٍ عَادِيٍّ مِثْلِي.»
تَحْلِقُ طُيُورٌ سُوْدَاءُ فَوْقَ رَأْسِهِ فِي تَشْكِيلٍ عَشْوَائِيٍّ يُشْبِهُ الْحُرُوفَ الْمُبْتَعَثَرَةَ. يَتْبَعُهَا بِنَظَرَاتِهِ وَهو يَمْشِي وَرَاءَ الْعَجُوزِ عَلَى الطَّرِيقِ التُّرَابِيِّ بَيْنَ الصُّخُورِ الْحَمْرَاءِ.
يُسَارِعُ الْوَلَدُ يَمْشِي خَطْوَاتٍ وَسِعَةً لِيُلْحِقَ بِالْعَجُوزِ. يَقُفَانِ مُتَّجِهَيْنِ نحوَ الأفقِ الَّذِي يَلْتَقِي بِهِ الرَّأْسُ الْأُخْرَى لِلْأَرْضِ. لَا شَيْءَ يُحَاوِلُ أَنْ يَقُولَهُ الْكَلِمَاتُ.
يَعُودُ ألانُ إِلَى الْقِطَارِ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَيَجْلِسُ عِنْدَ النَّافِذَةِ بَيْنَمَا تَتَوَهَّجُ الْحُقُولُ بِلَوْنِ الْعَسَلِ الدَّافِئِ. يَضَعُ يَدَهُ عَلَى زُجَاجِ النَّافِذَةِ وَيُشِيرُ إِلَى الْأُفُقِ الْجَدِيدِ.
يَبْتَسِمُ الْعَجُوزُ مِنْ بُعْدٍ وَهُوَ يَلْفُّ وُرْقَتَهُ الْمَطْوِيَّةَ. الْعَيْنَانِ تَتَّبِعَانِ النُّقُوشَ عَلَى الْوَرَقَةِ بَيْنَمَا تَتَلَاشَى ذِكْرَى الْيَوْمِ الْعَادِيِّ.
عَيْنَا الْقِطَارِ تُوَاصِلُ نَقْرَاتِهِمَا الْمُنْتَظِمَةَ كَأَنَّهُمَا تَقُولَانِ إِنَّ الرِّحْلَةَ بَدَأَتْ لِلتَّوِّ. يُغْلِقُ ألانُ عَيْنَيْهِ وَيَتَخَيَّلُ الْقُرَى الْحِجَارِيَّةَ وَالْوَاحَاتِ الَّتِي رَأَاهَا عَلَى الْوَرَقَةِ.