يَخرجُ السَّيفيُّ سَيفَهُ مِن غَمْدِهِ ليُلَمِّعَهُ على شَرَفَتِهِ. تَلْمَعُ النَّصْلُ فجأةً، ويظهَرُ فيها صُورَةٌ ساحِرَةٌ لسَفِينَةٍ قَرصانِيَةٍ تَمُرُّ فَوْقَ سَطْحِ المَاءِ.
يبتسمُ بذهولٍ، وتَلْمَعُ عَيْنَاهُ فَرَحًا. رائِحَةُ المِلْحِ والبَحْرِ تَمْلأُ الهَواءَ. يَمْسَكُ بالسَّيفِ بِاحْتِرَاصٍ، مُسْتَعِدًا لاِسْتِكْشَافِ هذِهِ العَجَائِبِ مَرَّةً أُخْرَى.
يَسِيرُ السَّيفيُّ نحوَ الميناءِ القَديمِ. يَلْمَسُ الحِبالَ المَتَعَفِّنَةَ ويغْلِقُ عَيْنَيْهِ لِيَستَدْعِيَ ذِكْرَى المَعْرَكَةِ مَعَ رُوكْس. لكنَّ صَوْتَ مُحَرِّكِ قَارِبٍ حَدِيثٍ يَقْطَعُ فَتَحْسِرُ عَيْنَاهُ.
يُحاولُ أَنْ يَرْفَعَ سَيفَهُ الثَّقِيلَ مَرَّةً أُخْرَى لِتَدْرِيبَاتِهِ القَدِيمَةِ، لكنَّ ذِرَاعَيْهِ تَرْتَعِشَانِ فيَسْقُطُ السَّيفُ بِصَوْتٍ مَدویٍّ على الأَرْضِ. يَنْدُبُ حَظَّهُ.
تَتَحَرَّكُ عَيْنَاهُ نَحوَ النَّشْلِ الذي غَرَسَ نَفْسَهُ في التُّرَابِ كَجَبَلٍ صَغِير. فُجأةً، تَقفُ عُصْفُورَةٌ صَغِيرَةٌ على السَّيفِ وتُغَنِّي نَغْمَةً تَشْبهُ أَغَانِيَ البَحَّارَةِ.
يَعثُرُ السَّيفيُّ على خَرِيطَةٍ قَدِيمَةٍ في صَندُوقِهِ، تَقُودُهُ إلى الكَهْفِ السِّرِّيِّ حيثُ تَعَادَلَ مَعَ رُوكْس. يَدْخُلُ الكَهْفَ وَيَضَعُ يَدَهُ عَلى النِّقْشِ الحَجَرِيِّ.
تَتَلَاشَى حَوْلَهُ ذِكْرَى المَعْرَكَةِ وتَظْهَرُ صُورَةُ رُوكْسَ وهو يَمُدُّ يَدَهُ لِلْسَّلاَمِ. يَنْسَابُ دَمْعُهُ البَارِدُ عَلى خَدِّهِ.
يَشْعُرُ بأنَّ الجُرُوحَ القَدِيمَةَ قد التَآمَتْ، وتَتَحَوَّلُ ذِكْرَاهُ من قِتَالٍ إلى صَدَاقَةٍ. يَخْرُجُ مِنَ الكَهْفِ وَوَجْهُهُ مُتَسَكِّنٌ.
يَعُودُ السَّيفيُّ إلى مَنزِلِهِ، يَضَعُ السَّيفَ في مَكَانِهِ بِرَفْقٍ، ثُمَّ يَجْلِسُ عَلى الشَّرَفَةِ يَنْظُرُ إلى البَحْرِ عِنْدَ الغُرُوبِ.
تَهُمِسُ الأَموَاجُ بِنغماتٍ قَدِيمَةٍ، فيُغَنِّي مَعَهَا بَصَوْتٍ خَشِنٍ لكنَّهُ دَافِئٌ. تَبْتَسِمُ شَفَتَاهُ بِسَلاَمٍ.
يَبْقَى السَّيفُ جانِبَهُ، لكنَّ يَدَهُ تَرْتاحُ الآنَ عَلى مَقْبَضِهِ كَصَدِيقٍ قَدِيمٍ. يَنْظُرُ إلى الأُفُقِ البَعيدِ ويَتَذَكَّرُ كُلَّ تِلْكَ الرِّحْلَاتِ.
تَغْرُبُ الشَّمْسُ وَرَاءَ الأُمُوجِ، ويَبْقَى السَّيفُ يَلْمَعُ بنَارٍ هَادِئَةٍ. يُغَلِّقُ عَيْنَيْهِ ويَسْمَعُ صَوْتَ البَحْرِ يَهُمِسُ لَهُ: «أهلاً بِالعَوْدَةِ يا صَديقِي.»