يَقُفُ ليثُ عَلَى أَعلَى تَلٍّ، وَيُنَظِرُ إِلَى السَّحَابِ الْمُتَرَاكِمِ فَوْقَ الْقَرْيَةِ. يَجْمَعُ أَوراقَ الشَّجَرِ الْجَفَّاءَ، فَتَتَسَاقَطُ بِنَغمَةٍ دائِرِيَّةٍ. يُمْسِكُ بِقِطْعَةِ خَشَبٍ قَدِيمَةٍ وَيَبْدَأُ بِتَشْكِيلِهَا، مُتَوَقِّعًا أَنْ تَكُونَ بُدَايَةَ شَيْءٍ عَظِيم.
وَضَعَ الخَشَبَ تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةِ الزَّيْتُونِ الْكَبِيرَةِ، وَرَتَّبَ الْأَوْرَاقَ بِحِذْقٍ. فَجْأَةً هَبَّتِ الرِّيحُ وَقَلَبَتِ الْوَرَقَةَ الْأُولَى. انْزَلَقَتِ الْوَرَقَةُ بِسُرْعَةٍ وَاصْطَدَمَتْ بِجِدَارِ الطِّينِ. نَظَرَ إِلَيْهَا بِحُزْنٍ وَبَسَطَ كَفَّيْهِ لِالتِّقَافِهَا قَبْلَ أَنْ تَدْفُنَهَا الْأَرْضُ.
رَجَعَ ليثُ إِلَى التَّلِّ وَهُوَ يَحْمِلُ قُبَّعَةَ سَعْفِ النَّخِيلِ وَسِلَّةً مُمْتِلِئَةً بِالْحِجَارَةِ الصَّغِيرَةِ. اخْتَارَ حَجَرًا أَبْيَضَ نَاصِعًا وَوَضَعَهُ فَوْقَ غَيْرِهِ، فَانْزَلَقَ الْحَجَرُ وَتَدَحْرَجَ نَحْوَ الْحَافَّةِ. مَدَّ يَدَيْهِ بِسُرْعَةٍ وَلَكِنَّهُ فَوَّتَ اللَّحْظَةَ، فَسَقَطَ الْحَجَرُ فِي الْعُشْبِ الْأَخْضَرِ الزَّلِقِ.
ظَهَرَتِ السُّحُبُ الرَّمَادِيَّةُ الثَّقِيلَةُ وَأَمْطَرَ بِغَزَارَةٍ. غَسَلَ الْمَطَرُ الْحِجَارَةَ وَبَدَّدَ كُلَّ عَمَلِهِ. وَقَفَ تَحْتَ الْمَطَرِ وَأَغْلَقَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ فَتَحَ فَمَهُ لِيَأْخُذَ رَشْفَةً مِنْ مَاءِ الْمَطَرِ الْبَارِدِ. شَعَرَ بِرَغْبَةٍ فِي الصَّرْخَةِ، لَكِنَّهُ ابْتَسَمَ حِينَ رَأَى قَطْرَةَ مَاءٍ تَكْبُرُ عَلَى طَرَفِ أَنْفِهِ.
وَقَفَ ليثُ بَعْدَ تَوْقُفِ الْمَطَرِ، وَأَبْصَرَ شَيْئًا مُنِيرًا يَتَحْتَ الطِّينِ. نَقَشٌ ذَهَبِيٌّ لَامِعٌ عَلَى صَخْرَةٍ كَانَتْ مُخْفِيَةً. ارْتَفَعَ النُّورُ مِنَ الصَّخْرِ وَوَضَعَهُ يَدَاهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، يَنْظُرُ إِلَى الْقَرْيَةِ الْكَامِلَةِ وَتَطْغَى عَلَى وَجْهِهِ الْبَسْمَةُ.
ارْتَفَعَ النُّورُ مِنَ الصَّخْرِ وَغَمَرَ الْقَرْيَةَ كُلَّهَا بِضِيَاءٍ ذَهَبِيٍّ دَافِئٍ. وَقَفَ ليثُ مُتَثَبِّتًا وَاتَّسَعَتِ الْبَسْمَةُ عَلَى وَجْهِهِ. نَظَرَتِ الْقَرْيَةُ إِلَيْهِ بِإِعْجَابٍ، وَكَانَ ذَلِك هُوَ الْحُلْمَ الَّذِي كَانَ يَحْلُمُ بِهِ دَائِمًا.
نَزَلَ ليثُ مِنْ مُنْزِلِهِ وَرَأَى جِيرَانَهُ يَنْظُرُونَ إِلَى التَّلِّ بِعَيْنَيْ مُعْجَبٍ. تَمَشََّى بَيْنَ الْأَزِقَّةِ الضَّيْقَةِ وَالْبُيُوتِ الطِّينِيَّةِ، وَكُلُّ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ يَبْتَسِمُونَ لَهُ. لَمْ يَكُنْ حُكْمًا كَلِمْةً وَاحِدَةً، لَكِنَّ الْوُقُوفَ الْهَادِئَ بِالْجَانِبِ يَخْتَصِرُ كُلَّ شَيْءٍ.
عِنْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، جَلَسَ ليثُ عَلَى أَرْقَى نَقْطَةٍ فِي التَّلِّ وَنَظَرَ إِلَى الْقَرْيَةِ الْمُنِيرَةِ مِنْ فَوْق. أَغْلَقَ عَيْنَيْهِ وَتَذَكَّرَ كُلَّ يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ الَّتِي قَضَاهَا يُفَكِّرُ فِي هَذَا اللَّحْظَةِ. ضَحِكَ هَادِئًا، وَدَانَتْ مِنْهُ الرِّيحُ الدَّافِئَةُ تَلْمِسُ وَجْهَهُ بِرِقَّةٍ.