سَارَتْ نَادِيَةُ نَحْوَ بَوَّابَةِ الْمَدْرَسَةِ الْمُلَوَّنَةِ، وَفَجْأَةً تَوَقَّفَتْ. سَمِعَتْ صُرَاخَ الْأَطْفَالِ مِنْ دَاخِلِ الْفَصْلِ، فَجَعَلَتْ تَلْمِسُ حِبْلَ حِذَائِهَا، وَتَتَنَفَّسُ تَنَفُّسًا طَوِيلًا. ثُمَّ رَفَعَتْ رَأْسَهَا وَنَظَرَتْ إِلَى الدَّرَجِ الطَّوِيلِ، وَتَخَطَّتْ خُطْوَةً وَاحِدَةً نَحْوَ الدَّاخِلِ.
أَدْخَلَتْ نَادِيَةُ رِجْلَهَا، وَنَظَرَتْ حَوْلَ الْفَصْلِ. رَأَتْ أَطْفَالًا يَلْعَبُونَ بِالْكُرَاتِ، فَتَقَدَّمَتْ نَحْوَهُمْ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَنْتَبِهُوا إِلَيْهَا. لَمَسَتْ يَدَهَا جَنْبَ الْكُرْسِيِّ بِلُطْفٍ، وَتَنَهَّدَتْ هَادِئَةً. فَبِغْتَةً تَدَحْرَجَتْ كُرَةٌ حمراء نَحْوَ قَدَمَيْهَا، وَرَأَتْ طِفْلًا يَبْتَسِمُ لَهَا مِنْ بَعِيدٍ.
وَقَفَتْ الْمُعَلِّمَةُ وَقَالَتْ: كُلُّ طِفْلٍ يَجِبُ أَنْ يُقَدِّمَ نَفْسَهُ. نَظَرَتْ نَادِيَةُ إِلَى الْأَرْضِ وَضَغَطَتْ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهَا. لَمَسَتْ يَدَ صَدِيقَتِهَا الْجَدِيدَةِ وَقَالَتْ بِهُمَاسٍ: تَحَدَّثِي! فَرَفَعَتْ نَادِيَةُ رَأْسَهَا وَنَظَرَتْ إِلَى وَجْهِ الْمُعَلِّمَةِ الْمُسَرِّحَةِ.
قَالَتْ نَادِيَةُ: أَنَا نَادِيَةُ، بِصَوْتٍ عَالٍ شَيْئًا. صَفَّقَ الْأَطْفَالُ وَابْتَسَمُوا لَهَا، وَشَعَرَتْ نَادِيَةُ بِالسُّعَادَةِ. سَمِعَتْ صَوْتَ جَرَسِ نَهَاءِ الْيَوْمِ، فَخَرَجَتْ مَعَ صَدِيقَتِهَا الْجَدِيدَةِ، وَقَالَتْ: نَعُودُ غَدًا!
وَبَيْنَمَا تَمَشَّيَا مَعًا عَبْرَ الرِّهَابِ الْمُلَوَّنِ، مَسَكَتْ نَادِيَةُ يَدَ صَدِيقَتِهَا وَتَأَخَّرَتْ خُطْوَتَهَا لِكَيْ تَسْتَقِلَّ خُطَاهَا. قَالَتْ لَهَا الصَّدِيقَةُ: تَعَالَيْ نَذْهَبْ إِلَى رُكْنِ الْقِصَصِ غَدًا! ضَحِكَتْ نَادِيَةُ وَقَالَتْ: نَعَمْ، سَنَذْهَب مَعًا!
وَقَفَت نَادِيَةُ هُنَاكَ لَحْظَةً، وَنَظَرَتْ إِلَى مَرآةٍ مُعَلَّقَةٍ عَلَى الْحَائِطِ. رَأَتْ نَفْسَهَا تَبْتَسِمُ، فَابْتَسَمَتْ هِيَ أَيْضًا. قَالَتْ لِذَاتِهَا: يَوْمِي الْأَوَّلُ كَانَ جَمِيلًا. ثُمَّ مَشَتْ إِلَى الْبَابِ الرَّئِيسِيِّ، وَتَخَطَّتْ عَتَبَتَهُ بِفَخْرٍ.
عِنْدَمَا خَرَجَتْ مِنْ بَابِ الْمَدْرَسَةِ، اِنْقَادَتْ نَادِيَةُ نَحْوَ الْبُسْتَانِ الصَّغِيرِ وَرَاءَ الْمَبْنَى. جَلَسَتْ عَلَى الْكُرْسِيِّ الْخَشَبِيِّ الَّذِي رَأَتْهُ صَبَاحَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَنَظَرَتْ إِلَى السَّمَاءِ الزَّرقَاءِ. هَمَسَتْ: سَأَعُودُ غَدًا بِنَفْسِ الْكَلِمَةِ، أَوْ أَكْثَرَ.
وَفِي الْمَسَاءِ، وَعَلَى سَرِيرِهَا، فَتَحَتْ نَادِيَةُ كِتَابَهَا، وَكَتَبَتْ بِحُبُّورٍ: الْيَوْمَ عَرَفْتُ صَدِيقَةً جَدِيدَةً، وَاسْمُهَا… لَا أَتَذَكَّرُهُ بَعْدُ! ضَحِكَتْ وَأَغْلَقَتِ الدَّفْتَرَ، وَغُرُوبُ الشَّمْسِ يَمْلَأُ نَافِذَتَهَا لُؤْلُؤِيًّا.