يُمسك الطفل المهندس المفتاح القديم الثقيل بين أصابعه الصغيرة، بينما يهمس الجد بصوت متقطع عن أسرار البيت المهجور وشجرة الزيتون العتيقة. تلمع قطرات العرق على جبين الطفل وهو ينظر إلى الطريق المتعرج نحو القرية القديمة. يأخذ نفساً عميقاً ويبدأ خطاه الأولى نحو المجهول.
يصل الطفل المهندس إلى السور المنهار ويحاول دفع باب الخشب المحطم ليدخل، لكن الغبار الكثيف يسد طريقه ويخفي تفاصيل الأرضيات. يعطس بقوة ويحاول مسح الغبار عن مخططه الورقي بيديه القذرتين. يجد تحت الركام صورة قديمة لزيتونة كبيرة لم يكن يتوقع رؤيتها هنا.
يواجه الطفل المهندس جذعاً ضخماً ومتشابكاً يمنع وصوله إلى قاعدة الشجرة، فيقرر استخدام أدواته الهندسية لرسم مسار جديد حول العقبة بدلاَ من كسرها. ينقر بمطرقة صغيرة على الحائط الطيني فتصدر رنة غريبة تشبه ضحكة خفيفة. يلتفت بسرعة ليرى أن الجدران تبدو وكأنها تتنفس معه.
تبدأ الشمس بالغروب بسرعة وتهدد بقطع الإضاءة قبل أن يكتمل توثيق الشكل المعماري الفريد للبيت القديم. يضيء الطفل المهندس مصباحاً يدوياً صغيراَ ويبدأ في رسم الخطوط الأخيرة بعجلة وحماس. تومض النافذة الزجاجية المكسورة في البيت كأنها ترشف له سراَ أخيراَ.
يجلس الطفل المهندس الآن تحت ظل شجرة الزيتون في منزله الجديد، يحفظ كتاباً صغيراً رسمه بيده عن الذاكرة والهوية. يشم رائحة أوراق الزيتون الجافة وهي تتطاير مع نسيم المساء الهادئ. يبتسم وهو يلمس غلاف الكتاب ويغلقه بحب.
ينظر الطفل المهندس إلى الأفق حيث تختلط ظلال الأشجار مع سماء المساء الوردية. يشعر بالامتنان لهذا المكان الذي جمع بين الماضي والحاضر. يمسك المفتاح القديم مرة أخرى، ليس كرمز للحفر، بل كوسيلة للحفاظ على الذاكرة للأجيال القادمة.
يبدأ الليل بتغطية القرية بطبقة من الهدوء، بينما تلمع النجوم فوق شجرة الزيتون العتيقة. يحلم الطفل المهندس بالمزيد من الاكتشافات التي تنتظره في زوايا البيت المهجور. يبتعد ببطء، تاركاَ الباب مفتوحاً قليلاً لاستقبال الضوء القادم من الداخل.
في الصباح التالي، يعود الطفل المهندس إلى الموقع حاملاً معه أدوات جديدة وملاحظات إضافية. يبتسم عندما يرى أن الشجرة لا تزال صامدة، وأن الجدران تحكي قصصاً أكثر مما يمكن للكلمات وصفه. يبدأ يومه الثاني بحماس لا ينضب لاكتشاف المزيد.