يَقفُ زَيْدٌ أمامَ السِّياجِ الخَشَبيِّ، عيناهُ ثابِتاَتانِ على الغافَةِ الخَضرَاءِ الَّتِي تَتَمَايَلُ أَورَاقُهَا مَعَ نَسيمِ الصَّباحِ. يَميلُ بجِسْمِهِ الصَّغيرِ نحوَ الشُّقوقِ، وصَوتُ هَسهَسَةِ الأَوراقِ يَغريهِ. يُقرِّرُ أَن يَتَخطَّى السِّياجَ.
يدخُلُ زَيْدُ الغافَةَ، تَتَلَوى أَغصانُ الأَشجارِ فوقَ رَأسِهِ. يَسْمَعُ طَقطَقَةً قَريبَةً، يَنْظُرُ فيَراهُ سُنْجابًا صَغيرًا يَتَأَرَّجُ على فَرعٍ. يَتَوَقَّفُ عنِ المَشْيِ، يَرْفَعُ رَقَبَتَهُ بحَذَرٍ، رَائِحَةُ الأَرضِ الرَّطْبَةِ تَمْلَأُ أَنفَهُ.
يَتَوَقَّفُ السَّنْجابُ ويَوْمِئُ بِرَأسِهِ نحوَ مَسارٍ ضَيِّقٍ. يَتَّبِعُ زَيْدٌ المَسارَ حتَّى يَصِلَ إِلى مَنطقَةٍ مُعتِمَةٍ تَحْتَ ظِلِّ أَشجارٍ طَويلَةٍ.
يَلْمَحُ زَيْدٌ نَقطَةَ ضَوءٍ زَرقَاءَ تَتَلأْلَأُ على جِذْعِ شَجَرَةٍ، يَقتَرِبُ فيَكْتَشِفُ فِطرًا صَغيرًا يَتَوَهَّجُ. يَرْفُرِفُ بِجَناحَيْهِ حَيْرَةً، ثُمَّ يَقتَرِبُ أَكثرَ فيَنْعَكِسُ الضَّوءُ على ريشِهِ الأَصْفَرِ.
يَمشِي بِبطءٍ نحوَ الضَّوءِ، يَتْرُكُ الغافَةَ وَرائَهُ.
يَسْمَعُ زَيْدٌ صَوتَ خَشْخَشَةٍ مَفاجِئَةٍ، يَتَوَقَّفُ فَوْرًا. تَبْرُزُ عيونُ بومَةٍ كَبيرَةٍ مِنْ بَينَ الأَوراقِ. يَغْطِي مِناقِرَهُ بِجَناحَيْهِ، ثُمَّ يَنْزِلُهُما بِبطءٍ لِيَراها.
تَنْفُثُ البومَةُ زَفيرًا بارِدًا يَهزُّ أَغصانًا قَريبَةً، تَقولُ بِصَوتٍ عَميقٍ: «أَنتَ صَغيرٌ لَكِنْ خُطَواتُكَ كَبيرَةٌ.» يَشْعُرُ زَيْدٌ بفَخرٍ، يَرْفَعُ صَدْرَهُ.
بَعْدَ أَن وَدَّعَ البومَةَ، يَمشِي زَيْدٌ عائِدًا نحوَ المَزْرَعةِ، السَّنْجابُ يَصاحِبُهُ على كَتِفِهِ.
يَندَفِعُ الهَواءُ الدَّافِئُ مَعَ رَائِحَةِ العُشْبِ المَقطوعِ، يَبْتَسِمُ وهُوَ يَرى السِّياجَ الخَشَبيَّ في الأُفُقِ.
يَعرِفُ أَنَّ الغافَةَ جُزءٌ مِنْ عَالِمِهِ الآنَ.