يَجْرِي مُحَمَّدُ بَيْنَ الأَزْهَارِ وَهُوَ يُمْسِكُ فَرَاشَةً ذَهَبِيَّةً. يُوقِفُ خُطَاهُ فَتَرَى نُونُو جَالِسَةً وَحْدَهَا تَحْتَ الشَّجَرَةِ. تَسْقُطُ دَمْعَتَانِ عَلَى خَدَّيْهَا.
يَمْشِي مُحَمَّدٌ بِهُدُوءٍ وَوَقَفَ أَمَامَ نُونُو. أَعْطَاهَا زَهْرَةً بَرِّيَّةً لَكِنَّهَا أَشَارَتْ بِيَدِهَا بِتَعَاطُفٍ. نَقَرَ بِأَصْبَعِهِ الأَرْضَ فَرَأَتْ النَّمْلَ يَعْبُرُ.
أَخَذَ مُحَمَّدٌ يُحَاوِلُ كَلِمَةً، لَكِنَّ صَوْتَهُ انْتَهِى. عَلِمَ أَنَّ الْكَلِمَاتِ لَنْ تَكْفِيَ هُنَاكَ. نَظَرَ إِلَى الأَرْضِ وَتَنَهَّدَ بْهُدُوءٍ.
اِنْحَنَى مُحَمَّدٌ وَحَطَّ ذِرَاعَيْهِ حَوْلَ نُونُو بِرِقَّةٍ. قَبَّلَ جَبِينَهَا بِلُطْفٍ. فَتَحَتْ عَيْنَيْهَا عَلَى وَسْعِهِمَا وَبَسَمَتْ بِشِدَّةٍ.
أَمْسَكَتْ نُونُو بِيَدِ مُحَمَّدٍ وَبَدَأَا يَرْقُصَانِ حَوْلَ جِذْعِ الشَّجَرَةِ. ضَحِكَتْ بِصَوْتٍ عَالٍ وَالْحَدِيقَةُ تَتَغَيَّرُ حَوْلَهُمَا.
جَلَسَا جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ فِي ظِلِّ الشَّجَرَةِ البَارِدِ. أَشَارَتْ نُونُو إِلَى فَرَاشَةٍ جَدِيدَةٍ حَطَّتْ عَلَى زَهْرَةٍ. قَالَ مُحَمَّدٌ: سَأَقْصُّ عَلَيْكِ قِصَّةً.
حَكَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَرْضٍ تَتَفَتَّحُ فِيهَا كُلُّ الأَزْهَارِ مَعَ الشُّرُوقِ. اسْتَمَعَتْ نُونُو بِتَرَكُّزٍ وَهُوَ يَلَوِّنُ الْكَلِمَاتِ بلونها. رَقَصَتْ فَرَاشَاتٌ صِغَارٌ حَوْلَهُمَا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: سَأَعُودُ كُلَّ يَوْمٍ. أَقَرَّتْ نُونُو بِأَنَّهَا سَتَنْتَظِرُهُ. مَشَيَا مَعًا بِخُطُوَاتٍ بَطِيئَةٍ وَتَرَكََا وَرَاءَهُمَا زَهْرًا ذَهَبِيًّا يُنِيرُ الطَّرِيقَ.