يَجْلِسُ مَالِكٌ عَلَى السَّجَّادَةِ قُرْبَ السَّرِيرِ، وَيُحِدِقُ بِنُجُومٍ صِغَارٍ مُضِيئَةٍ عَلَى السَّقْفِ. يَهْمِسُ: يَا أَبَا، لِمَاذَا الْجَمَالُ فِي الدُّنْيَا؟ يَرْفَعُ أَبُوهُ نَظْرَتَهُ مِنَ الْمُصْحَفِ، وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى كَتِفِهِ بِلُطْفٍ. يَقُولُ: «لِنَبْحَثْ عَنِ الْإِجَابَةِ مَعْاً». يَسْحَبُ الْمَالِكُ غِلَافَ السَّجَّادَةِ، وَيَبْدَأَانِ بِالْحَرَكَةِ نَحْوَ الْمِصْبَاحِ الْكَبِيرِ.
يَشْعُلُ الْأَبُ الْمِصْبَاحَ، فَتَنْبَعِثُ مِنْهُ حَرَارَةٌ ذَهَبِيَّةٌ تَدْفَأُ الْغُرْفَةَ كَامِلَةً. يَقُولُ: «تَعَالَوْ جَمِيعًا، عِنْدِي قِصَّةٌ أُروِيهَا لَكُمْ». يَتَرَاصُ الْأَطْفَالُ حَوْلَ الْمِصْبَاحِ فِي دَائِرَةٍ حَمْرَاءَ، وَأَعْيُنُهُمْ تَتَّبِعُ ضَوْئَهُ وَهُوَ يَنْثُرُ ظِلَالاً ذَهَبِيَّةً عَلَى الْآيَاتِ الْمُعَلَّقَةِ عَلَى الْحَائِطِ.
يَبْدَأُ الْوَالِدُ بِالْحِكَايَةِ: «فِي الْبَدْءِ كَانَ الْإِيمَانُ كَالْبَذْرَةِ الصَّغِيرَةِ». يَتَابِعُ الْأَطْفَالُ الْكَلِمَاتِ كَخِيطَانِ نُورٍ تَتَلَوَّى فِي الْهَوَاءِ. يَسْتَوْقِفُ الْأَبُ الْحِكَايَةَ سِرًّا لِيَضَعَهَا قَطْرَاتِ مَاءٍ عَلَى وَرْدَةٍ ذَابِلَةٍ جَانِبَ الْمِصْبَاحِ.
فَجْأَةً تَفْتَحُ الْوَرْدَةُ بِتلاتِهَا بِلَوْنِ قِرْمِزِيٍّ فَنَتَفاجَأُ الْأَطْفَالُ كُلُّهُمْ. تَنْدَفِعُ صِيَاحُ الدَّهَشَةِ وَالْفَرَحِ مِنَ الْأَطْفَالِ، وَيَصْفِقُونَ بِأَيْدِيهِمْ. يَضْحَكُ الْوَالِدُ ضَحْكَةً هَادِئَةً وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى مَالِكٍ.
يَمْسُكُ مَالِكٌ بِيَدِهِ الْمِصْبَاحَ الدَّافِئَ وَيَشْعُرُ بِنُورِهِ يَخْتَرِقُ أَنْامِلَهُ. يَقُولُ بِهِدوءٍ: «أَنَا أَفْهَمُ الْآنَ... السُّؤَالُ نَفْسُهُ هُوَ الْبِدَايَةُ، وَالْإِيمَانُ هُوَ النُّورُ». يَنْظُرُ إِلَيْهِ أَبُوهُ وَعَيْنَاهُ تَتَلأْلَأَانِ، فَيَبْتَسِمُ لَهُ ابْتِسَامَةً هَادِئَةً.
تُمْسِكُ يَدُ أَبِيهَا بِيَدِ أَخِيهِ الصَّغِيرِ وَتَقُولُ: «تَعَالَ، سَأَقُصُّ عَلَيْكُمْ مَا تَعَلَّمْتُهُ». يَتَحَرَّكُونَ جَمِيعًا نَحْوَ الْمِصْبَاحِ، وَهُوَ يُضِيءُ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ كَنَجْمٍ صَغِيرٍ حَلَّ فِي الْبَيْتِ.
يَنْظُرُ مَالِكٌ إِلَى الْأَخِ الصَّغِيرِ وَيَقُولُ: «الْإِيمَانُ يُنْبِتُ الْجَمَالَ حَيْثُ لَا نَتَوَقَّعُهُ». يَأْخُذُ الْأَخُ الصَّغِيرُ الْمِصْبَاحَ بِلُطْفٍ، وَيَبْسُطُ مَالِكٌ كَفَّهُ حَوْلَهُ كَأَنَّهُ يَحْتَوِي النُّورَ.
يَتَشَابَهُ النُّورُ بَيْنَ الْأَيديِ الصِّغَارِ، وَيَتَحَوَّلُ الْمِصْبَاحُ إِلَى نُجُومٍ عَدِيدَةٍ تَطْفُو فِي هَوَاءِ الْغُرْفَةِ. يَضْحَكُ الْأَطْفَالُ وَيَبْدَأُ مَالِكٌ بِحِكَايَتِهِ الرَّافِعَةِ الْأَصْوَاتِ بَيْنَ الْوَرَدِ وَالنُّورِ.
يَقُولُ مَالِكُ لِأَخِيهِ: «انَظُرْ، الْجَمَالُ يَنْمُو حَيْثُ نُؤْمِنُ». يُشِيرُ الْأَخُ الصَّغِيرُ إِلَى الزَّهْرَةِ الْقِرْمِزِيَّةِ الَّتِي فُتِحَتِ الْآنَ بِكَامِلِ بِتلاتِهَا. يَتَبَسَّمُ مَالِكُ وَهُوَ يَرَى أَنَّ أَحْلَمَهُ تَحَقَّقَ.
يَقُولُ الْوَالِدُ بِصَوْتٍ هَادِئٍ: «إِنَّ السُّؤَالَ يُنْبِتُ الْأُفُقَ». يَسْكُبُ النُّورُ مِنَ الْمِصْبَاحِ عَلَى سَجَّادَةِ الصَّلَاةِ، وَيَتَحَوَّلُ الْمَوْقِعُ إِلَى بُحَيْرَةٍ صَغِيرَةٍ مِنْ ذَهَبٍ صَائِلٍ. يَغْفُو الْأَطْفَالُ وَهُمْ يَبْسُطُونَ أَيْدِيَهُمْ نَحْوَ النُّورِ.
يَقُولُ مَالِكُ فِي نَفْسِهِ: «لَقَدْ عُثِرَ عَلَى الْأُفُقِ». يَنْظُرُ إِلَى السَّقْفِ فَتَرَى النُّجُومَ الصِّغَارَ تَلْمَعُ كَأَنَّهَا تَبْسُطُ السَّلَامَ. يَضَعُ الْمُصْحَفَ جَانِبَ سَرِيرِهِ وَيُغْلِقُ عَيْنَيْهِ.
يَسْتَيْقِظُ مَالِكُ فِي الصَّبَاحِ، وَيَنْظُرُ إِلَى السَّقْفِ. النُّجُومُ لَا تَزَالُ هُنَاكَ. يَبْسُطُ كَفَّهُ وَهُوَ يَتَذَكَّرُ كَلِمَاتِ أَبِيهِ. يُغَلِّقُ عَيْنَيْهِ مُتَسائِلًا: «مَاذَا سَأَقُولُ لِلْجَمَالِ الْيَوْمَ؟». يَبْتَسِمُ وَيَعُودُ إِلَى النَّوْمِ.