مريم ترقد جوار جذع شجرة التفاح العارية في فناء بيتها الصغير، وتضمّ جبينها إلى خشبه الخشن. تهمس في حلقات اللحاء: «ربّ، ربيعٌ آخر فقط.» تسقط ريح شتائية آخر ورقة جافة فوق شعرها، فتستقرّ عليها كأنّها عملة رمادية صغيرة. الفناء صامت إلا خفق تلك الورقة الواحدة.
الهمسة تتسلّل بين حلقات اللحاء كأنّها سراج خافت في عتمة الجذع. الورقة الرمادية تترنّح على شعرها مع آخر نفَس للريح، ثمَّ تثبت، لا تسقط. عيناها مغمضتان. شفتاها تتحرّكان بحركةٍ لا تسمعها حتى نفسها.
يعود الربيع إلى القرية كلها دفعةً واحدة. أشجار الجوار تنفجر أخضرًا فاتحًا، وأوراقها الجديدة تهمس في النسيم كأنّها أوراق نقد صغيرة تُقلَب. لا ظلَّ ثابتٍ على الأرض — كلُّ شيء يتنفّس ويتحرّك بخضرةٍ صاخبة.
مريم ترشّ الجذور بالماء من إبريقٍ نحاسيٍّ قديم، ثمَّ تُخضّ التراب بأصابعها المبلّلة كما تُخضّ وجهًا نائمًا. تنتظر. خلف ظهرها، شجرة الجار تغنّي بأوراقها الجديدة. أما جذعها الصامت فيقف كسؤالٍ لم يُجَب.
طفلٌ صغير يقف على طرف الشارع، يلعق شفتيه، ويسأل: «ليش شجّتك ما صحت؟» مريم تمسح الجذع بيدين مبتلّتين، تُدلك الخشب بحركة دائرية. وتغنّي لنفسها الأغنية نفسها منذ ثلاث شتاءات. الصوت يخرج خفيفًا، يكاد يختنق في الحنجرة.
يحلّ الخريف. مريم تجمع كلَّ بذرةٍ ساقطة في الفناء — برتقالية، مجعّدة، ثقيلة في الكفّ — وتزرعها عند القاعدة واحدةً تلو الأخرى. كلَّ ليلة توقد مصباح زيتٍ صغير وتصلّي. نفسُها يخرج أبيضَ في البرد، يتجمّد على الخشب، ثمَّ يتبدّد.
تعوي الريح في الفناء. المصباح ينطفئ. مريم تعيد إشعاله بإصبعَين ترتجفان — الوهج يلتقط شعلته، يرتفع، يسقط، يلتقط. خارج الجدار، حدائق الجيران تتكدّى بالثمرة: عناقيد، تفّاح، كرزٌ أحمر يزنّ الغصن. والجذع الرمادي أمامها صامت، عارٍ، لا يحمل إلا ظلَّ الغياب.
الشتاء الرابع. مريم تستيقظ قبل الفجر، تجرّ معطفها البالي على كتفيها، وتخطو نحو الشجرة في الظلام. الصقيع يقرمش تحت حوافيها — قرمشة، قرمشة، قرمشة. تمدّ كفّها مسطّحةً على الخشبة. ثمَّ تجمد.
مكانٌ كان فارغًا منذ سنوات، شيءٌ يتدفع من تحت اللحاء. انتفاخ. برعمٌ أخضر لا يتجاوز حجم أظفرها، يتشقّق في الصقيع — طقّ — وينبثق. مريم لا ترمش. الخشبة التي كان فيها الفراغ تتّسع الآن بخضرةٍ حيّة. البرعم يقف وحده، صغير، غريب، حيّ.
الشجرة تنفجر — ليس بلطف، بل دفعةً واحدة — عاصفة زهرٍ ورديّ تهطل على وجه مريم وكتفيها. تقف تحته، البتلات تلتصق بشعرها وخدّيها الرطوبين. تضحك ضحكةً تسمعها القرية كلُّها. تسحب زهرةً من شعرها وتخبئها في جيب معطفها، ثمَّ تعود لغسل قِدرٍ حديديٍّ على النار.