يَفْتَحُ يُريدُ دَفْتَرَهُ العَتِيقَ أَمَامَهُ، وَأَبْدَأَ بِإِرْسَامِ خَشَبَةِ مَسْرَحٍ كَبِيرَةٍ تَمْلأُ الصَّفَحَاتِ. وَعِنْدَمَا انْتَهَى، وَضَعَ الدَّفْتَرَ جَانِباً وَنَظَرَ مِنَ النَّافِذَةِ إِلَى السَّمَاءِ الدَّاكِنَةِ. تُريدُ أَنْ يَعِيشَ مَا ارْسَمَهُ عَلَى الْوَرَق.
رَسَمَ يُريدُ بِمِسْحَاتِ فَرْشَةٍ رَطْبَةٍ كُلَّ صَفْحَةٍ خَشَبَةِ الْمَسْرَحِ، وَبَعْدَ كُلِّ شَخْصٍ يَزِيدُ مِنْ دِقَّةِ الْإِرْسَامِ. انْتَظَرَ لَحْظَةً ثُمَّ أَغْلَقَ الدَّفْتَرَ بِلُطْفٍ، وَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ مِنْ خِلَالِ النَّافِذَةِ.
بَدَأَ يُريدُ يَصْنَعُ الْمَسْرَحَ بِلَيْلِهِ كُلِّهِ، يُرَصُّ الْعَوَامِيدَ وَيَرْفَعُ الْأَقْوَارَ. كَانَ جُهْدُهُ عَظِيماً وَلَكِنَّ خَشَبَةً مِنْ الْأَقْوَارِ تَكَسَّرَتْ، ثُمَّ أُخْرَى تَلِيهَا. وَقَفَ وَوَضَعَ كَفَّهُ عَلَى جَبِينِهِ.
وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَهَمَسَ: لا أَقْدِرُ عَلَى فِعْلِ هَذَا وَحْدِي. تَنَاثَرَتْ الْقِطَعُ عَلَى الْأَرْضِ، وَالْغُرْفَةُ صَامِتَةٌ. نَظَرَ إِلَى الْمُتْحَفَظِ وَفِكْرُهُ يَطُوفُ بِالْبَابِ الْمُغْلَقِ لِلْجِيرَانِ.
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، وَقَفَ يُريدُ عِنْدَ بَابِ الْجَارِ الْأَوَّلِ. اِنْتَظَرَ لَحْظَةً ثُمَّ قَال: أَلَسْتُ أُحِبُّ أَنْ تَكُونَ جُزْءاً مِنْ شَيْءٍ جَمِيل؟ هَزَّ الرَّجُلُ رَأْسَهُ بِأُكُلٍ وَانْصَرَفَ إِلَى مَخْزَنِهِ.
جَاءَ الْجِيرَانُ وَاحِدٌ وَاحِدٌ: الْأَوَّلُ يَحْمِلُ الْأَلْوَاحَ، وَالثَّانِي قِطَعَ قُطْنٍ مُلَوَّنَةً، وَالثَّالِثُ مَصَابِيحَ صَغِيرَةً. تَجَمَّعُوا بِمُرُورِ الْوَقْتِ، وَبَدَأُوا الْعَمَلَ مَعاً بِخُطُوَاتٍ مُنَظَّمَةٍ كَمَا لَوْ كَانُوا بُنَاةً حَقِيقِيِّينَ.
عَمِلُوا طَوِيلًا وَضَحِكُوا أَكْثَرَ، وَبَحَثُوا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ. فِي الْبَحْرِ أَعْكَرَ، مَسَحَ يُريدُ جَبِينَهُ بِذِرَاعِهِ. تَحْتَ الشَّمْسِ الْمَطْلُوبَةِ، تَقَاربُوا وَبَدَأَ الْمَسْرَحُ يَنْبُتُ مِنْ أَرْبَعِ زَاوِيَاتٍ.
فَجْأَةً تَمَّ الْمَسْرَحُ! تَحَوَّلَتْ الصُّنُوجُ إِلَى مَقَاعِدَ، وَالْأَقْمِشَةُ تَدَلَّتْ كَسَتَائِرَ ذَهَبِيَّةٍ. الْمَصَابِيحُ أَنَارَتْ خَشَبَةَ الْمَسْرَحِ بِنُورٍ دَافِئٍ. وَقَفَ يُريدُ أَمَامَ الْمَسْرَحِ يَبْتَسِمُ وَصَدِيقُهُ الْأَوَّلُ يَلْعَبُ عَلَى الْخَشَبَةِ.
هَلُمَّ يَا صَدِيقِي، هَلُمَّ نُشَاهِدْ سَوِياً مَا صَنَعْنَاهُ. ضَحِكَ يُريدُ وَاسْتَمَرَّ فِي نَظَرِهِ إِلَى الْمَسْرَحِ. قَالَتْ لَهُ الْجَارَةُ الْمَخْطُوطَةُ: هَلُمَّ يَا صَدِيقِي، هَلُمَّ نَنْظُرْ إِلَى مَا بَدَأْنَاهُ مَعاً. اِنْتَشَرَ الْحُبُّ فِي الْجُسُومِ وَالْقُلُوبِ.
أَضَاءَ الْمَسْرَحُ الصَّغِيرُ لَيْلاً فِي الْجُرْفَةِ الْمُسْتَوَانَةِ، وَالْعَائِلَةُ وَالْجِيرَانُ جَلَسُوا عَلَى الْمَقَاعِدِ الْمُصَنَّعَةِ مِنَ الصُّنُوجِ. وَقَفَ يُريدُ عَلَى الْخَشَبَةِ وَبَدَأَ الْعَرْضَ، وَالضَّحِكُ وَالصَّفُقَاتُ مَلأَتِ الْمَكَانَ.
ضَحِكَ الْجِيرَانُ وَصَفَّقُوا بِقُوَّةٍ، وَأَرْسَلَ يُريدُ بَصَرَهُ نَحْوَ السَّطْحِ الْمُغَطَّى بِالْقُطْنِ. قَالَتْ الْجَارَةُ الْمَخْطُوطَةُ: هَذَا جَمِيلٌ. اِسْتَمَرَ الْعَرْضُ وَالضَّحِكُ يَمْلَأُ كُلَّ رُكْنٍ فِي الْغُرْفَةِ الصَّغِيرَةِ.
انْتَهَى الْعَرْضُ، وَصَفَّقَ الْجِيرَانُ وَاحِدَناً وَاحِدًا. نَظَرَ يُريدُ إِلَى وَجْهِ الْجِيرَانِ وَدَامَعَتْ عَيْنَاهُ مِنْ فَرَحٍ. قَالَ: هَذَا الْمَسْرَحُ لَنَا جَمِيعاً. ضَحِكَ الْجِيرَانُ وَبَدَأَ الْلَيْلُ يَمُرُّ بِلُطْفٍ فِي الْجُرْفَةِ الْمُسْتَوَانَةِ.