نُوَّار يسحب خصلةً من شعره المجعّد خلف أذنه، ثمّ يخطو بعيداً عن أطفال شجرة التوت. خطوةً بعد خطوة، حتى تحجبه شجيرةٌ كثيفة عن أزقة الحارة القديمة. دقّات صمتٍ ثقيلة، والأغصان تلتفّ حوله كجدران جديدة. لا اسم يناديه، ولا يد تمتدّ إليه.
يقف وسط الغبار والظلّ، يحدّق في الأغصان التي ابتلعت الممرّ. يصكّ حذيه الصغير ورقةً جافّةً: طقّ. يرفع صوته: «أمّي؟» لكنّ صدى أوراقٍ تتهادى وحدها هو ما يجيبه. ظلّه الطويل يلتصق بجذعٍ مجرّد، وحده.
ينسحب عصفورٌ رماديّ صغير من بين أوراق الشجيرة ويلقم على طرف إصبع نُوَّار المفتوح. يتجمّد، يرمش مرتين. ثم يغلق أصابعه بلطفٍ حول الجسد الصغير المخبط. الريش الخشن يشخّشخ بين بشرته. لا يجرؤ أن يتنفّس.
يطير العصفور ثلاث بوصات ويحطّ على غصنٍ عالٍ. يدير رأسه نحو نُوَّار، ثم ينظر إلى الجهة المعاكسة ويرفع ذيله الصغير. «هناك،» يفكّر نُوَّار، مائلًا رأسه. الغصن يهتزّ قليلاً، ورقةٌ واحدة تسقط في الغبار.
يقفز العصفور على ساقٍ ويرقُد؛ فيمشّي نُوَّار خطوةً واحدة. يقفز على غصنٍ ثانٍ؛ فيمشّي خطوتين. ثم يطير قدامه ويحطّ على حافةٍ خشنة يعرفها ويخبط جناحيه. نُوَّار يقترب، يلوّح بإصبعه الصغيرة.
خصلات شعره تلزج على الجذوع وتخبطه؛ فيسحبه جانباً إلى الأمام هذه المرّة. العصفور يحطّ فوق رأسه، يحفر أنيابه في الخصلات، ويجلس مطمئناً. نُوَّار يقف صامتاً، شعره يتدلّى كسلك مشوّش. يدّه ترتفع ببطء، لا تجرؤ أن تمسّ.
يتوقّف نُوَّار عند بركةٍ صغيرة من ماء المطر على صخرةٍ مسطّحة. ينحني ببطء. يرى انعكاسه في الماء: وجهه، ثمّ الرأس المشعث بالعصفور الرماديّ فوق خصلاته كعشّ. «وهذا أنا الآن،» يهمس لصورة نفسها.
يفاجئه العصفور؛ يقفز ويخبط جناحيه مباشرةً في وجهه. يضحك نُوَّار، ضحكةً عريضةً تكشف أسنانه. العصفور يحوّك فوق شعره مرّةً أخيرة، ثم يحطّ على حافة البركة وينظر إليه من الأسفل. الماء يهتزّ تحت جناحيه.
يركض نُوَّار عبر الحديقة نحو باب الحارة، والعصفور يحوّك ويخبط في الهواء أمامه. خصلات شعره تنفرج وتتمايل مع كل قفزة. يلتفت لحظةً: العصفور واقف على السور الحجريّ الرمليّ، ذيله يتمايل. يلوّح بإصبعه، يكمل مشيه.
عند باب الحارة ينادي نُوَّار الأطفال بأسمائهم. يرفع يده ويشير برأسه دون أن يستتر. فوق رؤوسهم جميعاً، العصفور يحوّك في السماء، ذيله الصغير يتمايل مع كل لفة. الغروب يلون السور الحجريّ بلون العسل.