تطفو نور عبر الممر البحري الواسع، وشعاع شمس رقيق يسقط من فوقها يضيء المسار أمامها. تنزلق يدها الصغيرة على جدار من المرجان الناعم الدافئ، فتتبع الضوء نحو المدينة الغامضة.
تقترب نور من بوابة المدينة، فتتوهج الأصداف المتناثرة على الأرض بلون وردي عند مرورها، وتطلق نغمة هادئة تشبه صوت الجرس. تتوقف نور وتبتسم، ثم تواصل سباحتها بفضول متزايد.
ترى نور زخرفاً مرمرية ضخمة تغطي مدخل الساحة الرئيسية، فيبدو باهتاُ وخشناً من بعيد. تمتد لإمالسه، فتنزلق طبقة الغبار عن سطحه فتنكشف نقوش ذهبية ساطعة تتلألأ تحت الماء. تصفق نور بيديها بدهشة، وتنظر حولها لتكتشف أن كل ما في المدينة يرتدي قناع الخفَاء.
تسبح نور نحو قلب المدينة، فتبدأ الأصداف على الأرض بالرنين معاُ، والمرجان يفتح بتلاته بلون أزرق، والضوء ينعكس على الجدران فيخلق أشكالاُ تتراقص حولها. تتوقف نور في منتصف الساحة، وعيناها تتسعان وهي تبتسم ابتسامة عريضة.
تقف نور في وسط الساحة، تتأمل المدينة وهي تتنور حولها واحدة تلو الأخرى. كل زاوية تُكشف، وكل ظلام يذوب. تبتلع نور نفساً عميقاً وتغمرها سعادة ساحقة، كأنها أول من يشهد هذا السحر.
تستدير نور ببطء، تكتشف أن كل حجر في المدينة كان ينتظرها. النوافذ المغطاة بالغبار تتفتح كزهور، والظلال تتحول إلى أشكال مضيئة ترسم رقصات على الأرض. كل شيء ينبض بالحياة، وكل شيء يناديها باسمها في عقلها.
تسبح نور في كل اتجاه، تدخل زقاقاً ضيقاً فتنير مصابيحه تلقائياً، وتلمح إلى نافذة مرتفعة فيظهر خلفها وجه صغير يبتسم لها. تمسك بيدها صدفة صغيرة فاذا بها تتوهج بوضوئها الخاص.
تجلس نور على أرضية الساحة المرجانية، وتنظر حولها بكل سعادة، فالمدينة من حولها تتلألأ بألوان كانت مختبئة من قبل. ترمش نور بفرح، ثم تمسك بيد واحدة بصدفة صغيرة مشعة وتضعها في جيبها.
تغمض نور عينيها وتشعر بأن المدينة كلها تنفسَت فرحةً بأول زائرٍ لها. ابتسامتها لم تختفِ، والصدفة في جيبها تستمر باللمعان، وكأنها تهمس لها بأنها أصبحت جزءاً من هذا المكان.
تظل نور جالسة في قلب المدينة المضيئة، تحرس سرها الجديد، والصدفة المشعة بجانبها تذكرها بأنها ليست وحدها. المدينة تنام بهدوء، لكنها تفقظ كل ليلة لتتأمل نورَ التي أعادت إليها حياتها.