فَتَحَ نُورٌ كِتَابَ التَّجْوِيدِ الْكَبِيرَ، فَسَقَطَتْ مِنْهُ صَفْحَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَيْهَا أَحْرُفٌ كَثِيرَةٌ. لَمْ يَفْهَمْ شَيْئًا وَأَغْلَقَ الْكِتَابَ بِغُضْبٍ.
سَمِعَ صَوْتَ طَيْرٍ يَرْتَقِبُ خَارِجَ النِّافِذَةِ، وَلَكِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَتْرُكَ غَضَبَهُ.
أَخَذَتْهُ أُمُّهُ إِلَى الْحَدِيقَةِ وَرَفَعَتْ وَرَقَةً عَلَيْهَا حَرْفُ (أ) وَقَالَتْ: انْطُقْهُ مَعِي. نَطَقَ نُورٌ: أ... ثُمَّ انفَجَرَ ضَاحِكًا.
ضَحِكَتْ أُمُّهُ أَيْضًا، وَذَهَبَا إِلَى الْبَيْتِ. بَدَأَتْ تُعَلِّمُهُ حَرْفًا حَرْفًا، كُلُّ حَرْفٍ لَهُ مَخْرَجٌ وَصَوْتٌ مُخْتَلِفٌ.
أَعَادَ وَرَاءَهَا: أ... ب... ت... وَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى الطَّاوِلَةِ مَعَ كُلِّ حَرْفٍ، كَأَنَّهُ يَعْزِفُ عَلَى بِيَانُو.
لَاحَظَ أَنَّ بَعْضَ الْحُرُوفِ فِيهَا مَطٌّ وَبَعْضُهَا فِيهَا وَقْفٌ، فَابْتَسَمَ وَهُوَ يَسْتَمْتِعُ بِاللَّعِبِ.
فِي الصَّبَاحِ التَّالِي، جَلَسَ نُورٌ فِي الْفَصْلِ وَحَاوَلَ أَنْ يَقْرَأَ مِنَ الْقُرْآنِ، لَكِنَّ الْكَلِمَاتِ التَوَتْ عَلَيْهِ وَخَطِئَ مُرَارًا.
شَعَرَ بِالْإِحْرَامِ وَاحْمَرَّتْ خَدَّاهُ، فَنَظَرَ إِلَى أَرْضِ الْفَصْلِ وَبَدَأَ بِالْعَدِّ: وَاحِدٌ، اِثْنَانِ، ثَلَاثَةٌ... حَتَّى قَرَّرَ أَلَّا يَسْتَسْلِمَ.
رَفَعَ رَأْسَهُ وَاحْتَرَفَ، وَنَطَقَ أَوَّلَ آيَةٍ كَامِلَةٍ بِصَوْتٍ وَاضِحٍ وَمَسْمُوعٍ.
تَوَقَّفَتِ الْفَوْضَى فِي الْفَصْلِ كُلِّهِ، وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ الْمُعَلِّمَةُ بِفَرَحٍ. ابْتَسَمَ نُورٌ وَحَسَّ بِدَفْءٍ فِي صَدْرِهِ.
أَعَادَ الْآيَةَ مَرَّةً أُخْرَى، كُلُّ حَرْفٍ يَخْرُجُ مِنْ فَمِهِ بِنَعُومَةٍ وَجَمَالٍ.
كَأَنَّهُ يَفْتَحُ بَابًا سِرِّيًّا إِلَى عَالَمٍ آخَرَ مِنَ النُّورِ.