يَقُومُ زُرُّوبُ وَحِيدًا فِي وَسَطِ الحَدِيقَةِ المَزْهُورَةِ. تَسْقُطُ القَطَرَاتُ حَوْلَهُ مِنَ السَّمَاءِ. يَمُدُّ يَدَهُ لِأَخْذِ وَاحِدَةٍ، فَتَهْمِسُ لَهُ: «نَحْنُ نَبْحَثُ عَنْ أَصْدِقَاءَ». تُتَسَاقَطُ القَطَرَاتُ حَوْلَ قَدَمَيْهِ بِنَقْرَاتٍ خَفِيفَةٍ عَلَى أَوْرَاقِ الشَّجَرِ.
تَتَجَمَّعُ القَطَرَاتُ حَوْلَ زُرُّوبَ وَتَقُولُ كُلُّ وَاحِدَةٍ دَوْرَهَا: إِحْدَاهُنَّ تَرْوِي الزُّهُورَ، وَأُخْرَى تُمَطِّرُ العُشْبَ، وَالثَّالِثَةُ تَرْسُمُ قَوْسًا فِي السَّمَاءِ. يَبْتَسِمُ زُرُّوبُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى أَزْهَارِ الحَدِيقَةِ وَهِيَ تَتَلَوَّنُ بِأَلْوَانٍ أَكْثَرَ بَرِيقًا.
تَلْمَعُ قَطْرَةٌ صَغِيرَةٌ وَتَقُولُ: «أَنْتَ أَيْضًا لَدَيْكَ دَوْر!». يَرْفَعُ زُرُّوبُ يَدَهُ نَحوَ السَّمَاءِ، وَتَبْدَأُ القَطَرَاتُ بِالِاقْتِنَاصِ ضَوْءَ الشَّمْسِ وَانْعِكَاسَاتِهِ. تَنزِلُ قَطْرَةٌ فَوْقَ أَنْفِهِ البَارِدِ فَيَقْفِزُ مِنَ المَفَاجَأَةِ وَيَضْحَكُ بِصَوْتٍ عَالٍ.
يَمْسَكُ زُرُّوبُ بِيَدِهِ وَحَاوِيًا صَغِيرًا مِنْ تُرْبَةٍ جَافَّةٍ وَيَصُبُّ عَلَيْهِ قَطَرَاتِ المَطَرِ وَاحِدَةً تِلْوَ الأُخْرَى. تَظْهَرُ وَرَقَةٌ خَضْرَاءُ صَغِيرَةٌ تَنْمُو قُدَّامَ عَيْنَيْهِ، وَالْقَطَرَاتُ تُصَفِّقُ بِسَعَادَةٍ حَوْلَ رَأْسِهِ.
يَلْعَبُ زُرُّوبُ فِي وَسَطِ الحَدِيقَةِ مَعَ رَفَقَائِهِ الجُدُدِ مِنَ القَطَرَاتِ. كُلُّ قَطْرَةٍ تَرَقُصُ حَوْلَ زَهْرَةٍ أَوْ وَرَقَةِ عُسْبٍ. يَبْتَسِمُ زُرُّوبُ وَهُوَ يُدْرِكُ أَنَّ الحَدِيقَةَ لَيْسَتْ مَوْضِعًا يَفْتَخِرُ بِهِ فَحَسْبُ، بَلْ أَصْبَحَ لَهُ فِيهَا دَوْرٌ مُهِمٌّ أَيْضًا.
تَقُفُ القَطَرَاتُ بِجَانِبِ زُرُّوبَ وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ بِأَعْيُنٍ تَلْمَعُ كَالنُّجُومِ. يَقُولُ لَهُنَّ بِصَوْتٍ هَادِئٍ: «أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ صَدِيقَكُنَّ». تَضْحَكُ القَطَرَاتُ ضَحْكَةً خَفِيفَةً كَصَوْتِ النُّبَاتِ عَلَى حِجَارَةٍ.
تَبْدَأُ القَطَرَاتُ بِرَصْدِ زُرُّوبَ فِيمَا يَفْعَلُهُ. يَسْقِي الزُّهُورَ، وَيَلْعَبُ بِالعُشْبِ، وَيَسْتَمِعُ إِلَى ضَوْءِ الشَّمْسِ يَتَحَوَّلُ إِلَى قَنَاةٍ مُصْغَرَةٍ عَلَى وَرَقَةٍ خَمْلةٍ.
يَنْزِلُ المَسَاءُ وَتَتَوَارَى الشَّمْسُ وَرَاءَ السُّحُبِ الدَّهْمَاءِ. تَبْدُو القَطَرَاتُ مُتَضِئِلَةً بِضَوْءِ القَمَرِ الصَّاعِدِ. تَهْمِسُ إِحْدَاهُنَّ: «نَبْقَى مَعَكَ لَيْلًا». يَغْمُضُ زُرُّوبُ عَيْنَيْهِ وَتَبْتَسِمُ شَفَتَاهُ.
فِي الصَّباحِ التَّالِي، تَسْقُطُ أَشِعَّةُ الشَّمْسِ الدَّافِئَةِ عَلَى أَزْهَارِ الحَدِيقَةِ. تَنْبُتُ وَرَقَةٌ جَدِيدَةٌ مِنْ تُرْبَةِ الوَاحِي، وَيُشَاهِدُ زُرُّوبُ فَتْحَ بُرْغُوتٍ خَضْرَاءَ عَلَى وَرَقَةٍ أَقْصَى.
تَجْمَعُ القَطَرَاتُ زُرُّوبَ وَتَقُولُ: «لَقَدْ صِرْتَ بَعْضَنَا الآنَ». تَمْسَحُ إِحْدَاهُنَّ غُبَارَ التُّرْبَةِ عَنْ خَدِّهِ بِرِقَّةٍ. يَشْعُرُ زُرُّوبُ بِسُعَادَةٍ كَبِيرَةٍ دُونَ أَنْ يَعْرِفَ كَيْفَ يَصِفُهَا بِكَلِمَةٍ.
يَقُودُ زُرُّوبُ القَطَرَاتِ فِي رَقْصَةٍ بَطِيئَةٍ بَيْنَ الأَزْهَارِ. تَتَنَاوَلُ كُلُّ قَطْرَةٍ زَهْرَةً وَتُرِيحُهَا بِرُطُوبَتِهَا. تَتَحَوَّلُ الحَدِيقَةُ إِلَى مَوْسِقٍ مِنْ لَوْنٍ وَصَوْتٍ وَنُورٍ.
تَنْظُرُ الحَدِيقَةُ إلَى زُرُّوبَ وَهُوَ يَنْظُرُ إلَيْهَا. كُلُّ زَهْرَةٍ تَعْرِفُ اسْمَهُ، وَكُلُّ قَطْرَةٍ تَتَذَكَّرُ ضَحِكَتَهُ. يُغَطِّي السَّحَرُ وَدِيعًا الحَدِيقَةَ بأكملِهَا وَتَنْطَفِئُ الأَنْوَارُ دَرَجِيًّا حَتَّى يَنَامَ زُرُّوبُ بِسُكُونٍ.