صرخةٌ شرّعتِ الظلامَ فوقَ القرية. أبوابُ الحجارةِ تنكسرُ، وأقدامٌ كثيرةٌ تختفي داخلَ الأشجارِ الكثيفة. آدمُ واقفٌ وسطَ الهرب، أصابعُه مشدودةٌ على سورِ الحجرِ البارد. من جهةِ الكهوفِ القديمةِ، بكاءٌ رفيعٌ يقطعُ ضجيجَ الأقدام. يفلُّ السورَ ويرمِشُ نحوَ العتمة.
يمشي عكس الجري، عبرَ فتحةِ الكهفِ الضيّقةِ حيثُ جذعٌ ساقطٌ يسدُّ الممرَّ. ركبتُه تسحبُ على الترابِ المبلَّل، وأصابعُه تصطدمُ بالجذورِ المكشوفةِ في الدُّجى. الصدى يضاعِفُ البكاء — أقربَ، أقربَ — حتى يلمحَ نقطةَ ضوءٍ صفراءَ صغيرةً ترتجفُ في عمقِ الصخرة.
الكهفُ يتنفَّسُ رطوبةً وطينًا. جذعٌ ساقطٌ يفصلُ نصفَيِ الممرِّ، وجذورٌ عاريةٌ تمسكُ الجدارَ كأنَّها أصابعُ حجرٍ متحلِّلة. في البعد، نقطةُ ضوءٍ صفراءُ ترتجفُ ببطء، وارتعاشةُ الماءِ على الصخرِ هيَ الصوتُ الوحيد. لا أحداً هنا سواها.
يسحبُ نفسَه تحتَ الجذع، ركبتُه تهجرشُ على الترابِ المبلَّل. أصابعُه تداعبُ الجذورَ المكشوفةَ في العتمة، والحجارةُ تلتصقُ بالقميصِ برطوبةٍ باردة. يوقِف. البكاءُ لمَ يعُدْ صدى — أصبحَ أنينًا مباشرًا، قريبًا جدًّا، ينبعثُ من فمِ الكهفِ الداخلي.
ينحني ويغلّفُ الطفلَ في ذراعيه. أصابعُه الصغيرةُ تغرزُ في قماشِ قميصِه بإحكام، وشفتاهِ تتحرّكانِ دونَ صوت. يتطلّعُ إلى الوجهِ الصغيرِ بينَ ذراعين. فكّرَ: «مَنَ الذي ترككَ هنا في هذا الظلام؟» الطفلُ يضغطُ جسدهَ الصغيرَ أكثرَ في القماشِ البارد.
فجأةً: ظلٌّ هائلٌ يجتازُ فتحةَ الكهف، ونَفَسٌ حارٌّ يدفعُ الهواءَ إلى الداخل. أظفارٌ طويلةٌ تخدشُ الحجرَ بأصواتٍ خشنة. يتجمَّدُ — لا يتحرَّك، لا يُصدرُ صوتًا. الطفلُ يسكتُ ويضمُّ يديهِ إلى القماش. الوحشُ يتوقَّفُ عندَ الفم.
ثمَّ ينزلقُ الظلُّ عائدًا إلى العتمة، والصدى يبتلعُ آخرَ خدشِ أظفار. الطفلُ ما زالَ ممسوكًا بقميصِه، عيناُه واسعتانِ محترقانِ في الفراغ. آدمُ لا يحرك ساكنًا — جفناه فقط يُغلقانِ ببطء، ويدا الصغيرتينِ تمسكانِ القماشَ بمخالبِ صغيرة.
يعود: خشخشةُ مخالبَ على صخر، ورائحةُ ترابٍ وحديدٍ تملأُ الكهف. يشدّ الطفلَ ويخرجُ من حنجرتِه همسًا واحدًا — «شششش» ناعمًا كضربةِ ريح. يدا الصغيرتينِ تُمسكانِ القماشَ بإحكام، والوحشُ يوقِفُ الحفر. يلتفّتُ ببطءٍ وتدخلُ في العتمةِ من جديد.
الكهفُ صارَ ساكنًا تمامًا. لا أثرَ لنَفَسٍ حارّ، لا خدش، لا ترابٍ مقلوب — فقط ارتعاشةُ الضوءِ الأصفرِ الصغيرة، وضبابُ الماءِ على الحجرِ يقطرُ ببطء. نقطةُ الضوءِ تستقرّ، والظلالُ تتوقفُ عن الحركة. شيءٌ صغيرٌ ما زالَ يتنفَّسُ في الزاوية.
صباحًا، ذهبٌ باهتٌ يخترقُ الأغصانَ والقريةُ تعودُ بخطواتٍ متحفِّزة. يجدونَه جالسًا في الكهف، الطفلُ نائمٌ بينِ ذراعين، حذاؤه مثقَلٌ بالتراب. يقفُ دونَ أن يقولَ شيئًا، ويمشي نحوَ الضوء. القريةُ صامتةٌ أيضًا — حتى الأشجارُ تنتظر.