فِي مَحَطَّةٍ قَدِيمَةٍ تَتآكَلُ مِنْهَا الأَلوَانُ، يَصْعَدُ مُسَافِرٌ إِلَى عَرَبَةِ الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ وَيَحُطُّ حِiboxاتِهِ عَلَى الْمَقْعَدِ الْخَشَبِيِّ الْبَاهِت. يَقُولُ فِي نَفْسِهِ: «هَذِهِ نَقْهُدَةٌ سَتَأْخُذُنِي إِلىَ نَقْهِدَةٍ أُخْرَى». يُدِيرُ نافِذَتَهُ لِيَرَى الْعَالَمَ يَتَحَرَّكُ خَارِجَ الزُّجاج. الْقِطارُ يَنْطَلِقُ بِبُطءٍ، وَالأَرْضُ تَبْدَأُ بِالانْعِكاسِ عَلَى وَجْهِهِ.
يُدير نافذته ليُشاهد العالم وهو يتحرك خارج الزجاج. يقف على مقعده الخشبي الباهت وتحته حقائبه المتعبة. يقول في نفسه: "إنّي لم أكن أعرف أنّ السكّة ستكون كذلك". ينظر إلى انعكاس وجهه على الزجاج بينما يمرّ المرّعى والمنحدرات.
توقّف القطار عند المحطّة الأولى. يرى رجلًا عجوزًا يحمل صناديق ثقيلة ويكاد يسقط. يمدّ مسافر يده ويساعد العجوز في تثبيت الأمتعة على الرف. العجوز يبتسم بشدّة.
يبتسم العجوز ويقدّم له برتقالًا حلو الرائحة. يعض مسافر البرتقالة ويلاحظ: الثمن الحقيقيّ للأيدي المساعدة لا يُقاس. يختار مسافر مكانًا جديدًا على المقعد ويغمض عينيه للحظة.
في المحطّة التّالية، تظهر فتاة صغيرة تبكي بجانب حقيبة مكسورة السّحاب. ينحني مسافر ويحاول إصلاح السّحاب بيديه بلطف. تنظر الفتاة إليه بعينيها الواسعتين.
ينجح أخيرًا. تضحك الفتاة وتشير إلى زقزقة طائر على السقف المعدنيّ. يقول مسافر في نفسه: الضّياع قد يخفي دائمًا مفاتيحه.
يطير الطائر الصغير فوق رؤوسهم. يبتسم مسافر وهو يراقبه. يقول في نفسه: ضياع الشّيء لا يعني ضياعه تمامًا، بل يعني أنّ مفتاحه في مكان آخر. يحطّ الطائر على حافة النافذة.
عندما يصل القطار إلى المحطّة الأخيرة، يقف مسافر وينزِل حقائبه المتعبة أمام الراكبين الآخرين. يعلن الحارس عن الوصول.
يُقدم لهم مساعدة بصمت، ويشعر بدفء الامتنان من كل جهة. يحدق في الأفق البعيد وهو يبتسم. يستنشق هواء الصباح النقي.
يخرج مسافر تحت ضوء الشمس الدافئ حاملًا فقط ما تعلّمه. يمشي بخطى ثابتة نحو مخرج المحطّة.
يقف عند باب المحطّة النهائية ويحدق في الأفق البعيد. يقول في نفسه: رحلتي لم تكن قصيرة أبدًا.
يستنشق هواء الصباح النقي ويشعر أن رحلته لم تكن قصيرة أبدًا. يكمّل مشيته بحذائه البالي، ممتنًا لكل محطة وكل موقف ترك بصمته داخله.