يَزْفُرُ زَكَرِيَّا في قَلْبِهِ، ثُمَّ يَفْتَحُ كِتَابَهُ التَّعْلِيمِيّ الفَارِغَ. تَطِيرُ وَرْقَةٌ حَمْرَاءُ وَتَتَرَكُّ عَلَى أَنَفِهِ. يَنْدهَشُ وَيَحْكُ أَنْفَهُ بِرِفْقٍ، ثُمَّ يَنْفَجِرُ ضَاحِكاً.
أَخَذَ زَكَرِيَّا أَقْلَامَ التَّلْوِينِ وَبَدَأَ يَرْسُمُ دَائِرَةً. هَرَبَ الْقَلَمُ الأَحْمَرُ مِنْ يَدِهِ وَرَسَمَ خَطّاً أَزْرَقَ عَلَى الحَائِطِ. ضَحِكَ زَكَرِيَّا وَهُوَ يُلاَحِقُهُ حَوْلَ الطَّاوِلَةِ.
فَتَحَ زَكَرِيَّا قِسْمَ الْقِصَصِ وَالرَّسْمَاتِ، فَبَرَزَتْ قِطَّةٌ مَرْسُومَةٌ تَنْزَلِقُ عَلَى الصَّفْحَةِ. تَرَكَتْ بِصَمَاتٍ مَخْمَلِيَّةٍ عَلَى أَصَابِعِهِ. ضَحِكَ وَهِيَ تَمْسَحُ فُرَاءَهَا الوَهْمِيِّ عَلَى بِنْطَالِهِ.
حَوَلَتْ القِطَّةُ نَظَرَهَا إلَى قِسْمِ الأَرْقَامِ العَرَبِيَّةِ وَحاولَتْ أَنْ تَأْكُلَ رَقَماً صَغِيرَاً. قالَ زَكَرِيَّا: «وَاحِدٌ، اثْنَانِ، ثَلاَثَةٌ». ثُمَّ اتَّجَهَ نَحْوَ قِسْمِ الأَشْكَالِ.
رَسَمَ زَكَرِيَّا مُثَلَّثاً، فَتَحَوَّلَتْ زَاوِيَتُهُ إلَى لَعِبَةِ قَفْزٍ تَطْرُقُ كَتِفَهُ. رَفَعَ يَدَيْهِ وَهَتَفَ: «هَيَّا بِنَا نَلْعَب!». تَفَجَّرَتِ الصَّفْحَاتُ بِأَصْوَاتٍ وَرَقْصٍ.
حَوَّمَ الْحُرُوفُ العَرَبِيَّةُ حَوْلَهُ فِي دُوَامَةٍ مَلْعُوبَةٍ. سَقَطَتْ وَرَقَصَتْ عَلَى كَتِفِهِ الأَخِيرِ. أَغْلَقَ عَيْنَيْهِ وَاسْتَشْعَرَ رِيحاً خَفِيفاً يَحْمِلُ رَائِحَةَ حِبْرٍ جَدِيدٍ.
فَتَحَ عَيْنَيْهِ لِيَرَى الكِتَابَ قَدْ أُغْلِقَ، وَلكِنَّ الرَّسْمَاتِ لا تَزَالُ تَلْمَعُ عَلَى الجُدُرِ. اِبْتَسَمَ بثِقَةٍ وَأَخَذَ قَلَمَاً جَدِيداً لِيَبْدَأَ صَفْحَةً جَدِيدَةً.
قالتِ الْحُرُوفُ مِنْ عَلَى الجُدُرِ: «اِسْتَمِرّ، أَنْتَ تَسْتَطِيعُ!». ضَحِكَ زَكَرِيَّا وَأَكَلَ لُمْدَةً مِنْ عَصِيرِهِ، ثُمَّ ارْتَفَعَ القَلَمُ عَلَى الصَّفْحَةِ لِيُرَسِّمَ شَمْساً جَدِيدَةً.