في حصة العربية، رفع المعلّم هاتفه عاليًا وقال بصوتٍ يملأ الصفّ: «من اليوم، أنشأتُ مجموعةً تجمعكم جميعًا!» تصفيقٌ هادئ، أصابع صغيرة تقرع كفوف. لكنّ ليان لم تُصفق. يداها متشابكتان على حافة الطاولة، عيناها تسبقان الكلمات إلى الصفّ الأخير. سنتان في نفس المقاعد، ولا كلمة.
التفتت ببطء. في آخر الصفّ، يداه تدوران بمشرطٍ على قلمٍ رصاصيٍّ أسود. شقّ-شقّ-شقّ. لم يرفع عينيه. سحبت ليان كتابها أمام وجهها، كأنّ الورق حاجزٌ يكفي. سنتان، ولا كلمة. الشقّ-الشقّ يملأ الصمت.
جلست ليان متقاطعة الأرجل على سريرها، الهاتف بين كفّيها. فتحت محادثة المجموعة. الشاشة تتوهّج أزرقًا باردًا في الغرفة المظلمة. صمتٌ ثقيل. همست لنفسها: «كتب أحد؟» الإصبع يتوقّف فوق الشاشة. الثلاجة في المطبخ تغرغر بعيدًا.
الضوء الأبيض ينسدل من الشاشة على الحائط، فيُضيء إطارَ صورةِ الجدّ — ابتسامته العريضة تحت عصابتِه الحمراء. غبارٌ خفيف يتراقص في الشعاع الأزرق. السكون في الغرفة يكاد يُسمع. الظلّ يتّسع على الجدار كلَّ ثانيةٍ بلا حركة.
«مرحبًا.» حروفٌ صغيرة على الشاشة، ثمّ إصبعٌ يمحوها. مرةً أخرى: «مرحبًا.» محواً. الثالثة: «مرحبًا يا ز—» ويتوقّف الإصبع في الهواء. الرمز يميض. يميض. لا صوت غير غرغرة الثلاجة البعيدة.
الإصبع معلّق. الرمز يتنفّس — يضيء، يطفو، يضيء. ليان تراه من طرف عين، شفتاها مغلقان بشدّ. تنفّست. «الآن أو أبدًا.» همست. الإصبع ما زال معلّقًا.
ضغطت بإصبعها دفعةً واحدة: «أهلًا! أنا ليان. هل تتذكّر أول يومٍ وانقطعت ريشتك وسقط الحبر على دفّتي؟» رنّةٌ خفيفة. الرسالة انطلقت. في الغرفة الهادئة، سمعت نفسها تبتسم دون أن تدري.
...نقاطٌ ثلاث تتحرّك. ثمّ أيقونة تسجيلٍ صوتيّ. ضغطت على المشغّل. صوتٌ مرتجفٌ عالٍ: «أنا اللي ريشتي سقّت عليكِ! كنتُ خايفًا أسلّم لأنّك ما كنتِ تلتفتين!» الهاتف كاد ينزلق. أمسكته بكفّين مشدودتين.
ضحكت ضحكةً تنهش أنفها، صوتٌ يشبه خرير الماء. ردّت بسرعة: «غدًا أحضر ريشتي المعروقة على مكتبك!» فجأة، ملصقُ قطةٍ ترقص يقفز على الشاشة. كتبه قريبُ الفتى. وفوقه: «شكرًا… أنّكِ كتبتِ أوّلًا.»
وضعت ليان هاتفها على وسادتها. الشاشة ما زالت مضيئة، تكسو الغطاءَ لونًا ذهبيًا صغيرًا. ملصق القطة ما زال يرقص في الزاوية. أغلقت عينيها. في آخر ما سمعته قبل النوم، رنّةٌ خفيفة أخرى. لم تفكّك.