عَلَى بَابِ الدَّارِ مِنَ الطِّينِ، جَلَسَ سُلْطَانُ يَسْمَعُ أُذَانَ الفُجْرِ تَعُوْدُ مِنَ المَسْجِدِ القَرِيْبِ. حَدَّثَهُ جَدُّهُ عَنْ قُوْرِبٍ قَدِيْمَةٍ تَعُوْمُ عَلَى مَوْجِ الخَلِيْجِ. امْسَكَ سُلْطَانُ قِطْعَةَ فَحْمٍ وَرَسَمَ أَشْكَالاً مِنَ الشَّرَائِعِ عَلَى الرَّمْلِ الرَّطْبِ، وَبَسَمَ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى الكَلِمَاتِ تَطُوْرُ فِي الهَوَاءِ كَطَائِرٍ صَغِيْرٍ.
ذَهَبَ سُلْطَانُ إِلَى المَكْتَبَةِ الصَّغِيْرَةِ لِيَطْلُبَ مِنَ المُعَلِّمِ أَنْ يُعَلِّمَهُ كِتَابَةَ بَيْتٍ مِنَ الشِّعْرِ. مَدَّ المُعَلِّمُ لَهُ سَفَرَةً قَدِيْمَةً ذَاتَ حُوافٍّ مُتآكِلَةٍ، وَبَدَأَ سُلْطَانُ يَكْتُبُ الحُرُوْفَ وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى. أَمَّا الحَرْفُ الآخِرُ فَقَطَعَ عَنْهُ كَوَرَقَةٍ تَنْفَصِلُ مِنَ الشَّجَرَةِ وَتَهْوِي إِلَى الأَرْضِ.
جَلَسَ سُلْطَانُ يُرَتِّلُ الحُرُوْفَ عَلَى وَتِيْرَةِ قَلَمِهِ، حَتَّى اسْتَحَا مِنْ هَفْوَتِهِ وَأَغْلَقَ السَّفَرَةَ بِخَوْفٍ. نَظَرَ المُعَلِّمُ إِلَيْهِ بِوَسَعَةِ عَيْنَيْنِ وَقَالَ: لا تَسْرَع، يَا بُنَيَّ، الحُرُوْفُ تَعُوْمُ كَالسُّفُنِ، وَكُلُّ سَفِيْنَةٍ لَهَا مَوْسِمُهَا.
فِي مَسَاءِ اليَوْمِ التَّالِي، وَجَدَ سُلْطَانُ جَدَّهُ جَالِسًا عَلَى السَّجَّادَةِ يَلْعَبُ عَلَى الوَعْدِ. حَدَّثَهُ عَنْ الأَمْوَاجِ وَالرِّيحِ، وَحَرَصَ أَنْ يَحْفَظَ الشِّعْرَ المُتْرَكُمَا. لَكِنَّهُ لَفَظَ كَلِمَةَ "البَحْرِ" فَقَالَ "الجَارَ"، فَضَحِكَ الجَدُّ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى كَتِفِهِ بِرِفْقٍ، وَمَعَ دَوَاءِ المَسَاءِ يَتَسَاقَطُ مِنَ المَسْجِدِ البَعِيْدِ.
فِي صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي، وَقَفَ سُلْطَانُ أَمَامَ الأَطْفَالِ الصِّغَارِ تَحْتَ شَجَرَةِ السَّدْرِ الكَبِيْرَةِ، وَبَدَأَ يَقْرَأُ الشِّعْرَ بِصَوْتٍ وَاضِحٍ مُطْمَئِنٍّ. تَهُمْسُ الأَوْرَاقُ الجَافَّةُ حَوْلَهُمْ، وَفَجْأَةً طَارَتْ عُصْفُورَةٌ صَغِيْرَةٌ وَالتَقَطَتْ وَرَقَةً عَلَيْهَا بَيْتٌ مِنَ الشِّعْرِ، فَتَسَاءَلَ الأَطْفَالُ بدهشةٍ، وَبَسَمَ سُلْطَانُ وَبَسَطَ يَدَهُ لِيَلْتَقِطَ وَرَقَةً أُخْرَى مِنَ الأَرْضِ.
نَظَرَ إِلَيْهَا الأَطْفَالُ بدهشةٍ عَظِيْمَةٍ، وَضَحِكَ سُلْطَانُ وَبَسَطَ كَفَّهُ نَحْوَ الأَرْضِ يَبْحَثُ عَنْ وَرَقَةٍ أُخْرَى كَانَتْ سَقَطَتْ تَحْتَ شَجَرَةِ السَّدْرِ.
مَرَّ الوَقْتُ، وَأَصْبَحَ سُلْطَانُ مُعَلِّمًا فِي مَدْرَسَةِ القَرْيَةِ، يُعَلِّمُ الأَطْفَالَ القِرَاءَةَ وَالْكِتَابَةَ وَالشِّعْرَ. انْعَكَسَتْ أَشِعَّةُ الشَّمْسِ الذَّهَبِيَّةُ عَلَى جُدُرِ الطِّينِ، وَتَلْعَبُ مَعَ أَوَْرَاقِ الكُتُبِ المُفْتَوَحَةِ عَلَى المَوَائِدِ الخَشَبِيَّةِ.
وَقَفَ سُلْطَانُ أَمَامَ طُلَّابِهِ يُرِيهِمْ كَيْفَ تُرْسَمُ الحُرُوْفُ عَلَى الصَّفَحَاتِ، وَتَحْتَ أَصَابِعِهِ كَانَتْ تُنْبِتُ الكَلِمَاتُ كالأَزْهَارِ مِنَ الأَرْضِ القَفْرَاءِ.
كَانَ بَعْضُ الأَطْفَالِ يَسْأَلُونَهُ عَنِ القُوْرِبِ وَالبَحْرِ، فَيَقُولُ لَهُمْ: "إنَّ الشِّعْرَ مِثْلُ البَحْرِ — كُلُّ وَاحِدٍ يَجِدُ فِيْهِ مَا يَصْلُحُ لَهُ". وَتَبْسُمُ الأَوْلاَدُ وَتَنَامُ الأَصْوَاتُ بِتَدْرِيْجٍ تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةِ السَّدْرِ.
فِي المَسَاءِ، كَانَ سُلْطَانُ يَجْلِسُ وَحْدَهُ تَحْتَ شَجَرَةِ السَّدْرِ، وَيَنْظُرُ إِلَى البَحْرِ، وَيَتَذَكَّرُ لَيْلَةً وَاحِدَةً حَيْثُ رَسَمَ شَرَائِعَ القُوْرِبِ عَلَى الرَّمْلِ. بَسَمَ، وَهَمْسَ: "سَأَعُوْدُ".