في قلب الغابة الكثيفة، يقف جذعٌ مهجورٌ كحارسٍ نسيَ مهمّتَه. ضبابٌ رماديٌّ يدور حول جذوره كيدٍ لا تفكّ، وأوراقُ شجيراتٍ خضراءَ تنحني على جانبيه. الخشب جافٌّ، متشقّق، صامتٌ منذ مئة خريف.
فلفول يضع ذقنه في الخشب ويدفع بأذُنَيه، بكلِّ جسمه الصغير. يااااه— يصرّ. فجأةً صرّةٌ حادّةٌ من قلب الجذع، وشظايا برّاقة تسقط على أنفه كحلّة. يرمّش. ينظر. شيءٌ يلمع من الداخل.
من التجويف، يدٌ صغيرةٌ تمسك خريطةً صفراءَ تنبضُ ألوانُها. خطوطٌ ذهبيةٌ تلمع تحت الأصابع. «مَن رسمَ هذا؟» يهمس فلفول، وأصابعه تركب الاسم بالحبر الذهبي. من خلف الأوراق، ضبابٌ أزرقُ يتسلّل نحوهما.
يتسلّل الاثنان إلى الكهوف المتلألئة، بلوراتٌ صفراءُ وورديّةٌ تضوّء مع خطو. بلورةٌ تسند كفّ فلفول فتصدح بنغمةٍ حادّة. يضغط بندق بلورةً مجاورة. يردّ الكهف صوتًا غاضبًا يهزّ الغبار عن السقف كسيلٍ رمليّ. يتسنّيان. يواصلان.
فوق الوادي الضبابي، فلفول يتوازن على الجسر وحده بينما بندق يشدّ الحبل من خلفه. الضباب يبتلع حافّةَ كلِّ عمودٍ حتى لا يرى سوى قدميه. «لا تتوقّف!» يصيح بندق. «لا أتوقّف!» فلفول، والحبل يئنّ تحت وزنهما كحبلِ عودٍ قديم.
عند الشلال الخفيّ، حارسان حجريّان بعينيّن كريستاليتين. يرفعان أصابعَهما الصدأ لتصدّ المسار. أحدهما يفتح فمًا كصنفرةِ صخر: «ما الذي تُحبّه أكثرَ من الكنز؟» صمتٌ قصير. فلفول يحدّق في بندق.
يشير فلفول إلى صديقه. «هذا.» يرمّش الحارس. البلورة في عينيه تنقلب من الأحمر إلى الأخضر، والرمال تسقط من فمه كدموعٍ جافة. «اذهبَا.» صمتٌ أخضرُ يمشي خلفهما.
فلفول يرفع الخريطةَ أمام البوابة الموصدة. خلف رموز الماء، نقشٌ مخفيّ: أهل المدينة لم يُهزموا؛ اختفوا ليحبسوا الكنز عن أيدي الجشعين. يداه ترتجفان فوق المقبض الذهبيّ. بندق يضغط كفه على كتفه: «نفتحها. ليس للكنز. للغابة.»
يديهما معًا على المقبض الذهبيّ. يدوران. البوابة تنفتح بصريرٍ طويلٍ يكشف أعمدةً كريستاليةً تضيء الوادي كلَّه دفعةً واحدة. الغبار يتطاير كأجنحةٍ ذهبية. فلفول يفتح عينيه على الوادي المضاء.
في الصباح، بندق يقرمش بندقته على حافّة الجسر القديم. فلفول يزحف في تجوئه الجديد تحت الجذع، حيث الخريطة مقلوبة، وجهها الداخلي فارغ كصفحةٍ تنتظر. الغابة هادئة. من خلف الشلال، ضوءٌ ذهبيٌّ يتنفّس في الضباب كقلبٍ جديدٍ نَبَضَ للتو.