يَزِيد يخطو على المنصّة في ساحة المسابقة الوطنية بعمّان. الليل بارد على الحجر، والحشود مكتظة من كل جانب. ربطته الزرقاء النبيذية معلّقة بعرقه، وفمه يفتح — والنغمة الأولى تنكسر بفصمةٍ حادّة، وكأس ماء يقفز على طاولة الحكّام ويسال على الأوراق.
الصمت وقع على الساحة كأنّه حجر في بئر. أصابع يَزِيد مشدودة على ساق الميكروفون، ومفاصلها مصقورة بياضًا. الصمت امتدّ كحبلٍ ممطوط ما بينه وبين الألفين حوّلُه. ما فتح عينيه، بس شعر في الريح الباردة وهي تعدي حافة المنصّة.
نظر إلى الربطة بين يدَيه؛ الزرقة والنبيذي ملطّخان قطرةً من الماء المسكوب. فكّر: «في غرفتي، بغنّيها بس… ما بحاجي قاعة.» الجمهور لسا واقف، ما عم يتكلّم، بس العيون كلها عليه. الشاشة الكبيرة خاملة ورا المنصّة.
في الصفّ الأمامي، فتاة صغيرة بقميص برشلونة تركض على مقعدها وتصرخ: «يا يزيد! غنِّها مثل ما بتغنّيها في البيت!» يَزِيد يضحك ضحكةً خافتة، وتلك الضحكة تكسر الصمت اللي كان واقف كجدار. الجمهور يهمس، والأصوات تتشعّب كإبر مئة ساعة.
يفكّ الربطة عن رقبته ويلفّها على كتفيه كأنّها معطف. يتقدّم خطوةً أخرى نحو الميكروفون، والجمهور يهمس فضولًا. ما عازم يغنّي النسخة المعظَّمة — عازم يغنّيها الفوضوية العالية، تلك اللي بيصيح فيها المقطع الأخير وحده في غرفته.
يغني. ليس على المقياس، ليس بالأسلوب — يغني كأنّ الجدران عنده مائلة. عيناه مغمضتان، وفمه مفتوح على برد ليل عمّان. الربطة تتمايل مع كلّ نغمة، والصوت يطلع من حلقه بعنف ما حد ما سمّعه قبل.
صوته ينكسر مرّةً في المنتصف، فيضحك ويدفع النغمة المنكسرة عبر شفتيه. الفتاة الصغيرة تدقّ بقدمها على الحجر، «طَق طَق»، وراها الصفّ الثاني، وراها الثالث. يَزِيد يسمعها تحت صوته، فيرفع إيديه ويكمل.
صوت مئة حذاء على الحجر البارد. الصفّ الأول، الثاني، الثالث — كلهم يدقّون، والساحة تسرّح إيقاعها. يَزِيد ما فتح عينيه؛ فمه مفتوح والنغمة الأخيرة تتعلّق في الهواء كأنّها قنبلة بطيئة ما انفجرت بعد.
النغمة تسقط، والتصفيق يطلع جدار من الصوت ما ينقطع. يَزِيد يتردّد خطوةً خلف الميكروفون؛ الربطة مائلة، وخُوصة شعر لاصقة على جبينه. رئيسة الحكّام واقفة تصفّق بدل ما ترفع البطاقة، والفتاة الصغيرة تقفز على كتفي أمّها.
يمسح أنفه بطرف يده ويبتسم ابتسامة صغيرة. يهمس للتصفيق: «شكرًا عمّان.» يمشي خارج المنصّة أصغر ممّا كان واقف، والربطة مطوية تحت ذراعه كأنّها كأس. المنصّة وراَه خاوية، والليل بارد.