في مدينةٍ تزدحمُ بالمبانيِ البيضاءِ والشّوارعِ الضيقةِ، تعلو شُرَفٌ خشبيّةٌ متشابكةٌ كالأسقفِ المترابطةِ. تتسلَّقُ سيدرا الدرجَ الخشبيَّ وهي تحملُ دفترَ ملاحظاتٍ أبيضَ ضيقَ الأرجلِ. تفتحُ الدفترَ على صفحةٍ فارغةٍ وتبدأُ الرسمَ. تبتسمُ وتهمسُ: ابدئي.
تجلسُ سيدرا على شرفتها الصغيرةِ، وتفتحُ دفترَ ملاحظاتٍ أبيضَ في حجرها. تمسكُ قلماً رصاصياً وترسمُ صورةً صغيرةً لطفلٍ يبتسم. تكتبُ بجانبَ الصورةِ بحروفٍ كبيرةٍ وجادةٍ: أريد أن أساعد الناس. تلتفتُ إلى النافذةِ وتبتسمُ.
تمرُّ رياحٌ خفيفةٌ من بينِ الشُّقوقِ، فتنقلبُ الصفحاتُ في دفترِها كهمسةٍ سريةٍ. تبتسمُ سيدرا وتغمضُ عينيْها للحظةٍ، وكأنها تسمعُ صوتاً يدعوها: ابدئي. تفتحُ عينيْها من جديدٍ وتنظرُ إلى الصورةِ التي رسمَتْها، ثم تغلقُ الدفترَ بيديْها وتخيطه بحزم.
تمرُّ سيدرا أمام منزلِ السيدةِ فاطمةَ، فتلاحظُ دخاناً أسودَ يتصاعدُ من نافذتها. تهرعُ نحوَ البابِ وتقرعُ بأصابعِها على الزجاجِ: أطفئي النارَ! الطنجرةُ ذهبيةٌ على النارِ وقد انقلبت! تفتحُ السيدةُ فاطمةُ النافذةَ بسرعةٍ وتُخمِدُ اللهب. تضعُ يدها على كتفِ سيدرا: شكراً لكِ يا بنتي.
في اليومِ التاليِ، وصلَ طفلٌ من الحيِّ إلى بابِ سيدرا ووجهُه محمرٌّ من البكاء. كان قد انزلقَ على دراجتِهِ الصغيرةِ وسقطَ، وتصابَ ركبتُه بجرحٍ صغيرٍ ينزفُ برفق. جلست سيدرا على الأرضِ بجانبِهِ، وفتحت علبةً صغيرةً تحملها دائماً. نظفت الجرحَ برفقٍ وقالت: لا تخف، سأتعامل مع الأمر.
التفتُ طفلٌ إلى سيدرا، وعيناهُ تتسائلان. التفتُ إليهِ بهدوء: انظري، ستختفي الآثارُ قريباً. التفتُ الضمادةَ البيضاءَ حولَ ركبتِهِ برفقٍ، فاكتشفَ أن الدمَ قد توقف. تملأُ وجهَهُ ابتسامةٌ صغيرة، ويُمسكُ بيدِ سيدرا ويشكرُها بكلمةٍ خافتةٍ.
جاءت سيدةٌ مسرعةٌ إلى سيدرا، وأنفُ طفلٍ كبيرٍ أمامها ينزف بغزارة. صرخت: ساعدينا! لم نتوقف! رفعت سيدرا ذقنَ الطفلِ بيدها وقالت بهدوء: أميلي رأسه إلى الأمام. ضغطت بأنفه بقطعةِ قماشٍ نظيفة، وتحسبُ في ذهنها: واحد، اثنان، ثلاثة. بعد لحظاتٍ توقف النزيف.
لمست السيدة يدَ سيدرا وقالت: أنتِ شفاءٌ لمن أمسكته. ابتسمت سيدرا وقالت: هذه أول مرةٍ أفعلُ فيها شيئاً كهذا. نظرت إلى يديْها ثم إلى وجهِ الطفلِ الذي توقف نزيفُه، فوجدت فيها شيئاً جديداً: ثقةً خافتةً لكنها موجودة.
تمرُّ السنواتُ، وتتعلمُ سيدرا المزيدَ من طرقِ المساعدةِ والعلاج. تدرسُ في مدرسةِ المدينةِ الصغيرةِ، وتمارسُ على كلِّ من يحتاجُ إليها. ذاتَ صباحٍ، وقفتْ أمامَ مبنىٍ أبيضٍ لامعٍ عليه لوحةٌ ذهبية: عيادة ودوامة الحيّة. فتحت البابَ ودخلت.
فتحت سيدرا البابَ لدخولِ أول مريضٍ لها، طفلٌ صغيرٌ يحملُ دراجتِهِ الصغيرةَ. ابتسمت وقالت: تعالَ، سأعتني بك. أدخلتْهُ إلى العيادةِ حيث تترددُ أصواتُ ضحكٍ وهدوء. نظرَت إلى جعبتِها البيضاءِ التي تحملُ فيها أدواتَها، ثم إلى الحائطِ حيث تعلو صورتُه الصغيرة.
دخلَت سيدرا العيادةَ، ومرّتْ بجانبَ صورٍ معلقةٍ على الجدرانِ: صورةٌ لطفلٍ ضحكَ بعد علاجِ ركبتِهِ، وصورةٌ لآخرَ توقفَ نزيفُ أنفِهِ. وضعتْ يدها على الجدارِ وقالت بصوتٍ خافت: لقد بدأتِ. ابتسمت وغادرت العيادةَ لتستقبلَ مريضَها التالي.
وقفَت سيدرا أمامَ البابِ المفتوحِ، ونظرتْ إلى الشارعِ حيث يتجمعُ الناسُ في ساحةِ المدينة. ابتسمت وقالت لنفسها: هذه هي المدينةُ التي بدأتُ منها. دخلتْ العيادةَ مرةً أخرى، وفتحت دفترَ ملاحظاتٍ أبيضَ على الصفحةِ الأولى، وكتبت: اليومَ، سأبدأ من جديد.