فِي غُرْفَةٍ دَافِئَةٍ تَتَسَاقَطُ مِنْ شُبَّاكِهَا أشْعَةُ شَمْسٍ ذَهَبِيَّةٍ، تَلْعَبُ سَيْدَرَةُ بَيْنَ اللُّعَبِ وَالْدُّمَى الْمُتَفَرِّقَةِ عَلَى السَّجَّادَةِ. أَحَاطَتْهَا دُخَّانَةُ خَشَبٍ وَمِقْوَاةٌ صَغِيرَةٍ وَصُنْدُوقُ أَلْوَانٍ مُتْرَكٌ عَلَى جَانِبِهَا. نَظَرَتْ حَوْلَهَا بِفَرَحٍ، وَبَدَأَتْ تَجْلِبُ أَقْرَبَ دُمَاةٍ لِتَلْعَبَ مَعَهَا.
وَضَعَتْ سَيْدَرُ سماعةَ اللَّعْبِ عَلَى صَدْرِ دُمِّيَتِهَا الخَشَبِيَّةِ. سَمِعَتْ دَقَّةً مُنْتَظِمَةً كَطَقْطَقَةِ الجُوْزِ، فَتَبَسَّمَتْ وَقَالَتْ: أَنَا سَأَكُونُ طَبِيبَةً. ثُمَّ أَحَرَكَتْ أطْرَافَ السَّمَّاعَةِ إِلَى أُذُنَيْهَا، فَسَمِعَتْ قَلْبَهَا يَدُقُّ بِسُرْعَةٍ، فَاقْفَزَتْ نَحْوَ صُنْدُوقِ الأَلْعَابِ.
اِسْتَقْبَلَتْ سَيْدَرُ العَيْنَيْنِ الخَشَبِيَّتَيْنِ لِلدُّمِّيَةِ بِنَظَرَةٍ مُتَيَّمَةٍ. كَانَتْ تَتَخَيَّلُ نَفْسَهَا تَرْقُبُ قَلْبَهَا، تَسْمَعُ كُلَّ دَقَّةٍ بِإِنْتِبَاهٍ. أَمْسَكَتْ بِيَدِهَا الصَّغِيرَةِ جَانِبَ السَّمَّاعَةِ وَقَرَّبَتْهُ مِنْ أُذُنِهَا مَرَّةً أُخْرَى، تَسْمَعُ صَوْتَ قَلْبِهَا يَخْفِقُ بِعُنْفٍ كَطَرَفِ جَنَاحِ عُصْفُورٍ.
جَلَسَتْ تُفَكِّرُ لَحْظَةً، ثُمَّ فُجْأَةً تَذَكَّرَتْ حَقِيبَةَ الأَدَوَاتِ الطَّبِّيَّةِ الَّتِي اِسْتَلْزَمَتْهَا أُمُّهَا مِنَ الصَّنْدُوقِ. قَامَتْ بِتَعَاوُنٍ وَجَرَت نَحْوَ زَاوِيَةِ الغُرْفَةِ حَيْثُ كَانَتْ حَقِيبَتُهَا المَلْوُنَةُ مُنْفَتِحَةً وَتَطِلُّ مِنْهَا أُطْرُزَاتٌ مِنْ غَيْرِ وَضْحٍ. أَرَادَتْ أَنْ تَجْرُبَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ يَدَيْهَا.
أَصْبَحَتْ سَيْدَرُ مُنْشَغِلَةً بِالدَّبِّ القِمَاشِيِّ الَّذِي لَحِظَتْ جُرْحًا صَغِيرًا عَلَى أُذُنِهِ. جَاءَتْ بِضِمَادٍ وَرَقِيٍّ وَأَرَادَتْ أَنْ تُلْصِقَهُ، لَكِنَّهُ اسْتَمَرَّ يَسْقُطُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ بِتَتَابُعٍ. اِنْفَرَجَتْ شَفَتَاهَا بِلُجُوجَةٍ، وَوَضَعَتْ يَدَيْهَا عَلَى خَاصِرَتَيْهَا حينَ سَمِعَتْ صَوْتَ الزَّرِّ يَنْطَلِقُ مِنْ حَقِيبَةِ الأَدَوَاتِ.
تَذَكَّرَتْ سَيْدَرُ أَنَّ الشَّرِيْطَ اللّامِعَ فِي حَقِيبَةِ أُمِّهَا يُثَبِّتُ كُلَّ شَيْءٍ. مَزَقَتْ شَرِيْطًا صَغِيرًا مِنْهُ بِحِذْقٍ، وَالتَفَّتْ بِهِ حَوْلَ أُذُنِ الدَّبِّ بِرِقَّةٍ. سَمِعَتْ صَوْتَ خَشْخَشَةٍ خَفِيفَةٍ يُخْبِرُهَا أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ سَيُعَاضُ مَحَلَّهُ. فَرِحَتْ سَيْدَرُ بِهَذِهِ النَّتِيجَةِ المُبْهِرَةِ.
فَتَحَ الدَّبُّ عَيْنَيْهِ الخَشَبِيَّتَيْنِ وَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ رَأْسَ الشُّكْرِ، بَيْناً سَيْدَرُ تَنْظُرُ إِلَى دَقَّاتِ قَلْبِ دُمِّيَتِهَا خَلَالَ السَّمَّاعَةَ مَرَّةً أُخْرَى. كَانَتْ الدَّقَّاتُ الآنَ أَبْطَأَ وَأَسْتَقَرَّ، كَأَنَّهَا تَنْعَمُ بِرَاحَةٍ بَعْدَ العِنَاءِ. غَمَضَتْ عَيْنَيْهَا وَقَلَّمَتْ وَجْهَهَا بِاِبْتِسَامَةٍ عَرِيْضَةٍ.
فِي الْهَوَاءِ الدَّافِئِ لِلْغُرْفَةِ، ظَلَّتْ سَيْدَرُ تَفْكُرُ فِي يَوْمٍ تَصْبَحُ فِيهِ طَبِيبَةً حَقِيقِيَّةً. كَانَتْ قَلْبُ دُمِّيَتِهَا يَضْرِبُ بِهَدوءٍ، وَقَلْبُهَا هُوَ الآخَرُ يَضْرِبُ بِالسُّرُورِ وَالاطْمِئْنَانِ. نَظَرَتْ حَوْلَهَا إِلَى لُعَبِهَا، فَتَبَسَّمَتْ لَهُمَا كُلِّهِمَا، وَتَرَنَّيَتْ بِصَوْتٍ هَادِئٍ: أَنَا سَأَكُونُ طَبِيبَةً.