يَمْشِي يَاسِر وَحْدَهُ فِي الشَّارِعِ الْحِجْرِيِّ الْقَدِيم، وَتَلْمَعُ الْأَفَانِيسُ بِوَهْجِ الْقَمَر. يَنْتَبِهُ لِنُورٍ أَصْفَرَ صَغِير يَتَمَايَل بَيْنَ الشَّجَر، فَيَتْوقف وَيَحْرُك قَدَمَيْهِ نَحْوَ ذَلِكَ النُّور بِلُؤْم. الْهَوَاء الْبَارِد يَلْمَس خَدَّيْهِ، وَهُوَ يَتَسَاءَل ماذا سَيَجِد هُنَاكَ.
يَقْتَرِب يَاسِر حَتَّى يَرَى رَجُلًا عَجُوز طَيِّب الْمَلَامِح يَحْمِل فانوسًا مُضِيًا. يَمُد الْعَجُوز يَدَهُ بِرِفْق لِيَمْنَح الْفَانُوس لِيَسِّر، فَيَقْبِضُهُ يَاسِر مُنْدَشًا. شعور الدفء يَنْتَقِل مِنْ مَعْدَن الْفَانُوس إِلَى كَفَّيْهِ، وَهُوَ يَنْظُر إِلَى وَجْهِ الرّجُل الْمُسِّن.
يَقْرُر يَاسِر الْمَشْيَ مَعَ الْفَانُوس لِإِضَاءَةِ الطَّرِيقِ الظَّلِم أَمَامَ مَنْزِلِه. فِجْأَةً يَسْمَع صَوْتًا خَافِتًا وَرَاء شُجَيْرَة، فَيُنْشِر نُورَ الْفَانُوس فَيَكْشِف عَن قِطَّة صَغِيرَة تَرْتَجِف مِنَ الْبَرَد.
يَمُد يَاسِر يَدَهُ بِبُطء، فَتَسْتَقِر الْقِطَّة عَلَى ذِرَاعِهِ دَافِئَة وَمتْعَبَة. يَسْتَمِر يَاسِر، فَتَهْبِض رِيَاح قَوِيَّة تَهْدِد بإطفَاء لهيب الْفَانُوس.
يَخْفِي يَاسِر الْفَانُوس وَرَاء ظَهْرِهِ وَيَحْمِيهِ بِنَفْسِه، فَتَثْبُت النِّيْر بِفَضْل حَرَكَتِهِ السَّرِيعَة. يَبْتَسِم الرَّجُل الْعَجُوز مِنْ بَعِيد وَهُوَ يَهْز رَأْسَهُ.
يَعُود يَاسِر إِلَى بَيْتِهِ وَالْفَانُوس لَا يَزَال مُضِيًّا بِنُورِهِ الْمُسْتَقِر. يَضَع يَاسِر الْفَانُوس عَلَى عَتَبَة بَابِهِ، فَيَرَى انعِكَاس الْقَمَر فِي الْأَفَانِيس كَأَنَّهَا تَرْقُص مَعَهُ.
يَشْعُر بِالرَّاحَة وَهُوَ يَدْخُل الْمَنْزِل، حَامِلًا الضَّوْء فِي قَلْبِهِ بَدَل مِنْ يَدَيْهِ.
وَبَيْنَمَا يَطْوِي يَاسِر بَابَ مَنْزِلِهِ وَرَاءَهُ، يُفَكِّر فِي الْفَانُوس الَّذِي أَوْقَدَهُ الرَّجُل الْعَجُوز، وَكَيْفَ أَنَّ النُّور لَا يَخْفَى بَلْ يَنْتَقِل.