دَفَعَ يُوسُفَ غُصُون النَّخِيلِ الكَثِيفَةَ، وَدَخَلَ المَكْتَبَةَ القَدِيمَةَ البَارِدَةَ. تَبَرُّزَتْ عَيْنَاهُ عَلَى رَفِّ الكُتُبِ عَن السَّمَاءِ اللَّيْلِيَّةِ، وَضَاءَ كِتَابٌ وَاحِدٌ بِخَفُوت.
مَدَّ يُوسُفُ يَدَهُ، تَلَمَّسَ أَطْرَافُ أَصَابِعِهِ الغِلاَفَ الدَّافِئَ كَحَجَرٍ مُشَوٍّ بِالشَّمْسِ، وَسَحَبَهُ بِصُرَخَةِ دَهْشَةٍ.
نَشَرَ يُوسُفُ الكِتَابَ عَلَى رَكْبَتَيْهِ وَتَتَبَّعَ كُلَّ كَلِمَةٍ عَرَبِيَّةٍ بِأُصْبُعِهِ، يُتَرْجِمُهَا جَانِبَ النُّجُومِ المَرْسُومَةِ.
فَجْأَةً، تَوَمَّضَتِ النُّجُومَةُ الفِضِّيَّةُ الصَّغِيرَةُ، تَطَفَّأَتِ للأَعْلى، وَتَعَلَّتْ فَوْقَ الصَّفْحَةِ. هَبَطَتْ مُرَّةً أَخْرَى، تَارِكَةً أَثَرًا بَاهِتًا مِنَ البَرِيقِ.
اِشْتَمَلَ الهَوَاءُ برَائِحَةِ الوَرَقِ القَدِيمِ وَشَيْءٍ يُشْبِهُ المَطَرَ عَلَى الْحَجَرِ السَّاخِنِ. جَرَى يُوسُفُ عَبْرَ السَّاحَةِ، الكِتَابُ مَشْدُودٌ إِلَى صَدْرِهِ.
قَرَأَ السَّطْرَ الْأَوَّلَ بِصَوْتٍ عَلَنٍ. كَمَا تَكَلَّمَ، ارْتَفَعَتِ الْأَحْرُفُ العَرَبِيَّةُ مِنَ الصَّفْحَةِ، مُتَوَهِّجَةً بِالذَّهَبِيِّ فِي الهَوَاءِ الْمَسَائِيِّ.
تَرَتَّبَتِ الْأَحْرُفُ فِي شَكْلِ جُمْلَةٍ كَبِيرَةٍ فَوْقَ نَخِيلِ التَّمْرِ. تَوَقَّفَ ضَجِيجُ أَصْدِقَائِهِ، عُيُونُهُمْ وَاسِعَةٌ، وَبَدَأَ يُوسُفُ يَقْرَأُ.
وَكَانَتْ كُلُّ كَلِمَةٍ تُضِيفُ نُجُومَةً جَدِيدَةً إِلَى اللَّيْلِ. كَانَتْ عُيُونُ أَصْحَابِهِ وَاسِعَةً يَنْظُرُونَ إِلَى فَوْقُ.
جَلَسَ يُوسُفُ عَلَى الدَّرَجَاتِ الْحَجَرِيَّةِ لِلسَّاحَةِ، الكِتَابُ مَفْتُوحٌ عَلَى رَكْبَتَيْهِ، وَأَصْدِقَاؤُهُ جَمْعٌ قُرْبًا يَشِيرُونَ إِلَى الْكَوَاكِبِ.
قَرَأَ صَدِيقٌ كَلِمَةً بِصَوْتٍ عَلَنٍ، وَظَهَرَتْ نُجُومَةٌ صَغِيرَةٌ فَجْأَةً، تَرْمُشُ بِخُبَثٍ.
ضَحِكَ يُوسُفُ، صَوْتُهُ يَخْتَلِطُ مَعَ خَشْخَشَةِ أَغْصَانِ النَّخِيلِ. تَنَامُ الْقَرْيَةُ تَحْتَ سَمَاءٍ مُمْسَحَةٍ بِأَنْمَاطٍ مَأْلُوفَةٍ.
وَبَيْنَمَا تَمْتَلِئُ السَّمَاءُ نُجُومًا، غُشِيَ عَلَى الْقَرْيَةِ هُدُوءٌ دَافِئٌ. أَحْلَمَ يُوسُفُ بِكُلِّ الْكَلِمَاتِ الَّتِي لَمْ يَقْرَأْهَا بَعْدُ.