فَتَحَ يُوسُفُ الْبَابَ بِقُوَّةٍ، وَلَا يَزَالُ شَرِيطُ الْفَرِيقِ عِنْدَ عُنُقِهِ. قَفَزَ عَلَى السَّجَّادَةِ يُصَافِحُ شَرِيطَهُ كَأَنَّهُ يَحْتَفِلُ بِالْهَدَفِ. أَعْيَانُهُ تَلْمَعُ وَهُوَ يَشِيرُ إِلَى الشَّرِيطِ وَيَقُولُ: «صَفَّقَ أَصْحَابِي بِصَوْتٍ عَالٍ!» ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ لِأَبِيهِ لِيُرِيهِ صُورَةً مِنَ الْجَيْبِ. اِبْتَسَمَ أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: «أَخْبِرْنِي بِالْتَّرْتِيبِ يَا بُنَيَّ.
بَدَأَ يُوسُفُ بِسَرْدِ الشَّوْتِ الْأَوَّلِ، وَجَعَلَ يَدَيْهِ كُرَةً وَهَدَفًا. لَكِنْ حَرَكَتُهُ السَّرِيعَةُ اصْطَدَمَتْ بِلِجَافِ الْقَهْوَةِ، فَانْهَارَ الْكُرْسِيّ بِطُءٍ. ضَحِكَ يُوسُفُ وَهوَ يُعِيدُ رَفْعَهُ، وَتَنَفَّسَ الْهَوَاءَ الدَّافِئَ الرَّائِحَةَ. ثُمَّ تَوَقَّفَ فَجْأَةً كَأَنَّهُ تَذَكَّرَ تَفْصِيلًا مُهِمًّا.
سَأَلَ أَبِيهِ عَنِ الرُّكْنَةِ الْحَاسِمَةِ. قَفَزَ يُوسُفُ عَلَى مَقْعَدِ الصَّلَاةِ وَمَسَكَ بِلُوفَةٍ صَغِيرَةٍ مِنْ جَيْبِهِ. فَتَحَهَا لِيُظْهِرَ وَرَقَةً مَطْوِيَّةً عَلَيْهَا رَسْمٌ كُرْتُونِيّ لِللَّاعِبِينَ. ضَحِكَ ضَحْكَةً عَالِيَةً حَتَّى ارْتَدَّتْ فِي أَرجَاءِ الْبَيْتِ.
اِسْتَلْمَكَ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَقَةَ بِيَدٍ مُرْتَجِفَةٍ مِنَ الْمَرْحِ. تَشَعَّرَ الْأَصَابِعُ بِخَشُونَةِ الرَّسْمِ. قُلِبَتِ الْوَرَقَةُ بِلُطْفٍ، وَكَانَ فِي ظَهْرِهَا ارْتِسَامَاتٌ أُخْرَى لِلْعَبّاتِ وَالأَذْقانِ.
حِينَمَا سَأَلَ أَبُو بَكْرٍ: «مَا كَانَ أَجْمَلُ لَحْظَةٍ؟»، تَوَقَّفَ يُوسُفُ عَنِ الْحَرَكَةِ. ثُمَّ ضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ وَأَخْفَى وَجْهَهُ فِي كَتْفِهِ. سَمِعَ الْأُذُنُ صَوْتًا مَكْتُوْمًا يَقُولُ: «لَحْظَةُ عَدُوِّي إِلَيْكَ.»
اِسْتَمَرَّ الْعِنَاقُ فِي هُدُوءٍ. تَرَافَعَتِ الدُّمُوعُ مِنْ عَيْنَيْ يُوسُفَ بِطُءٍ، وَلَمْ يَرْفَعْ وَجْهَهُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ اصْبَحَ التَّنَفُّسُ مُنْتَظِمًا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ بِلُطْفٍ: «أَنَا هُنَا دَائِمًا يَا بُنَيَّ.
جَلَسَ يُوسُفُ إِلَى جَانِبِ أَبِيهِ عَلَى الْأَرِيقَةِ. وَلَا يَزَالُ الشَّرِيطُ حَوْلَ عُنُقِهِ. أَشَارَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى الشَّاشَةِ حَيْثُ تُعَادُ اللُّقْطَةُ الْأَخِيرَةُ. هَزَّ يُوسُفُ رَأْسَهُ بِابْتِسَامَةٍ هَادِئَةٍ وَهُمَسَ: «فَوْزُنَا.»، وَوَضَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ عَلَى كَتْفِهِ.
تَدَارَكَتْ أَصَابِعُ أَبُو بَكْرٍ عَلَى قِمَاشِ الشَّرِيطِ بِلُطْفٍ. هَمَسَ يُوسُفُ: «هَذِهِ لَحْظَتُنَا.» أَغْلَقَ عَيْنَيْهِ بَطْءًا، وَالشَّرِيطُ يَسْتَرِيحُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ. كَانَ الْبَيْتُ كَامِلًا فِي سَكَتٍ وَدِفْءٍ.
اِنْتَفَخَ صَدْرُ يُوسُفَ بِالتَّنَفُّسِ الْهُدُوءِ. قَالَ فِي نَفْسِهِ: «لَقَدْ كُنْتُ بَطَلًا الْيَوْمَ.» فَتَحَ عَيْنَيْهِ لِحَظَةً، وَرَأَى أَبَاهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِسُرُورٍ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: «أَنْتَ بَطَلُنَا دَائِمًا يَا يُوسُفُ.
اِسْتَمَرَّتْ الصُّورَةُ عَلَى الشَّاشَةِ، وَالْبَيْتُ يَمْلَأُ بِصَوْتِ التَّلَفَزِ الْخَافِتِ. ضَحِكَ يُوسُفُ هَمْسًا: «لَقَدْ كُنَّا مَعًا.» نَظَرَ إِلَى يَدِ أَبِيهِ الْمَمْسُوكَةِ بِيَدِهِ، فَاِبْتَسَمَ بِسُرُورٍ. شَعَرَ أَنَّ الْفَتْحَةَ كَانَتْ أَسْمَى مِنْ أَيِّ هَدَفٍ.
اِنْتَظَمَ تَنَفُّسُ يُوسُفَ، وَانْطَفَأَتْ أَضْوَاءُ الصَّلَاةِ تَدْرِيجِيًّا. بَقِيَ صَوْتُ التَّلَفَزِ الْخَافِتَ يَمْلَأُ الْبَيْتَ بِهَدُوءٍ دَافِئٍ. غَطَّیَ أَبُو بَكْرٍ ابْنَهُ بِبَلَطَةٍ نَاعِمَةٍ، وَنَظَرَ إِلَى الشَّرِيطِ الْمُلْقَى عَلَى الْأَرْضِ. قَالَ بِلُطْفٍ: «غَدًا نَلْعَبُ مَعًا.»، ثُمَّ اِنْطَفَأَتْ النُّورُ.
اِنْتَهَى الشَّرَابُ. كَانَ الْبَيْتُ فِي سَكَتٍ، وَالشَّرِيطُ يَرْتاحُ عَلَى الْأَرِيكَةِ كَشَاهِدٍ عَلَى لَحْظَةٍ لَا تُنْسَى. هَمَسَ يُوسُفُ فِي نَوْمِهِ: «فَوْزُنَا.» وَاِبْتَسَمَ أَبُو بَكْرٍ وَنَظَرَ إِلَى ابْنِهِ. كَانَ الْيَوْمُ طَوِيلًا، لَكِنَّ الْقَلْبَ كَانَ مَمْلُوءًا.