يَعْبُرُ يُوسُفُ الطُّرُقَ التُّرَابِيَّةَ بَيْنَ البُسَاتِينِ صَحْرَاءَ القَرْيَةِ نَحْوَ المَدْرَسَةِ. مَلأَتْ شَمْسُ الصَّبَاحِ الطَّرِيقَ نُورًا، وَتَتْرُكُ ظِلَالُ الأشْجَارِ عَلَى الأرْضِ نَمَطًا مُتَغَيِّرًا.
ثُمَّ تَوَقَّفَ. لَمَعَ شَيْءٌ مُتَرْكِزٌ بَيْنَ الشُّقوقِ التُّرَابِيَّةِ — صُنْدُوقُ نِقُودٍ مِعْدَنِيٌّ صَغِيرٌ. رَفَعَهُ يَدَيْهِ، فَتَحَ الغِطَاءَ، فَسَمِعَ صَوْتَ نَقُودٍ تُنَقِّرُ بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ مِنْ دَاخِلِهِ.
دَفَعَ اليَّ الصُّنْدُوقَ دَاخِلَ جَيْبِهِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ. تَمَايَلَتْ يَدَاهُ وَهُوَ يَنْفُخُ فِي الغِطَاءِ المِعْدِنِيِّ الدَّافِئِ. وَعَبَرَ طَرِيقَهُ نَحْوَ بَيْتِ الجَارِ.
مَرَّ بِجَارِهِ الصَّادِرِ مِنَ البَيْتِ الطِّينِيِّ، يَصْنَعُ عَجِينًا عَلَى عَتَبَةٍ. فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُ يُوسُفُ، قَفَزَ العَجِينُ فَجْأَةً وَتَشَذَّذَ إِلَى فَتَاتٍ ذَهَبِيٍّ عَلَى الأرْضِ.
جَرَّ الجَارُ لِحْيَتَهُ وَصَرَخَ: «يَا أَهْلَ القَرْيَةِ! ضَاعَ صُنْدُوقُ نِقُودِي!» سَمِعَ يُوسُفُ صَوْتَهُ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الجُدُرِ الطِّينِيَّةِ، فَتَوَقَّفَ ثُمَّ انْطَلَقَ نَحْوَ دَارِهِ.
وَقَفَ يُوسُفُ عِنْدَ عَتَبَةِ الدَّارِ. مَسَحَ يَدَيْهِ عَلَى بُطُونِهِ، ثُمَّ مَدَّ الصُّنْدُوقَ نَحْوَ الجَارِ. وَقَعَ عَلَيْهِ عُلْقَةٌ صَغِيرَةٌ عَلَى الأرْضِ تُحَرِّكُ ذِفْرَايَهَا.
اِبْتَسَمَ الجَارُ وَاضَعَكُمْ يَدًا ثَقِيلَةً دَافِئَةً عَلَى رَأْسِ يُوسُفَ. وَأَشْرَقَتِ القَرْيَةُ كُلُّهَا فِي عَيْنَيْهِ. قَال: «شُكْرًا لَكَ يَا بُنَيَّ.»
انْصَرَفَ يُوسُفُ عَنْ القَرْيَةِ، وَالشَّمْسُ خَلْفَهُ. هَمْسَ لِنَفْسِهِ: «هَذَا لِي.» يَدَاهُ فارِغَتَانِ، وَوَجْهُهُ هَادِئٌ كَمَا لَوْ أَنَّهُ حَمَلَ خَفِيفًا بَيْنَ بُسَاتِينِ الزَّيْتُونِ.
عَبَرَ بَحْرِ البُسَاتِينِ وَهُوَ يَهْمِسُ: «هَذَا لِي.» لَمْ يَكُنْ فِي يَدَيْهِ شَيْءٌ، لَكِنَّ نَفْسَهُ كَانَتْ خَفِيفَةً كَنَسِيمَةٍ تَمُرُّ فَوْقَ الأَوْرَاقِ.
تَوَقَّفَ يُوسُفُ بَيْنَ الشَّجَرِ، وَنَظَرَ إِلَى الخَلْفِ. أَرَى القَرْيَةَ وَهُوَ يَتَسَاءَلُ: «أَتُرَى الجَارُ سَيَجِدُ العُلْقَةَ؟» ثُمَّ اِسْتَمَرَّ فِي الْمَشْيِ وَالحَنِينِ إِلَيْهَا.