خَرَجَ زَيْدٌ إِلَى الْحَدِيقَةِ تَحْتَ سَمَاءٍ مَلْأَى بِالنُّجُومِ. وَقَفَ يَنْظُرُ إِلَى الْأَعْلَى، يُرَاقِبُ الْبَرِيقَ الْبَعِيدَ. ثُمَّ لَامَعَ ضَوْءٌ بَيْنَ الْأَزْهَارِ.
اقتَرَبَ بِخُطُوَاتٍ صَغِيرَةٍ حَتَّى اكْتَشَفَ نَجْمَةً ذَهَبِيَّةً صَغِيرَةً تَرْتَجِفُ عَلَى الْعُشْبِ. تَسَاءَلَ فِي صَمَتِهِ: أَلَقَدْ تَسَاقَطَتْ مِنْ سَمَائِي؟
مَدَّ يَدَيْهِ بِرِفْقٍ لِيَلْتَقِطَ النُّجُومَةَ. شَعَرَ بِدَفَئِهَا الْخَفِيفِ يَنْبَضُ بَيْنَ رَاحَتَيْهِ. نَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ إِلَى النُّجُومَةِ، فَغَلَّفَهَا بِيَدَيْهِ لِيُحَمِيَهَا مِنْ بَرْدِ اللَّيْلِ.
هَمَسَ بِكَلِمَاتٍ دَافِئَةٍ، فَهَدَأَتْ ارتِجَاشَاتُهَا وَأَضَاءَتْ وَجْهَهُ بِضَوْئِهَا الذَّهَبِيِّ. تَبَسَّمَ وَقَالَ: لَنْ أُفَرِّطَ فِيكِ.
حَاوَلَ أَنْ يَلْقِيَ بِهَا إِلَى الْأَعْلَى، لَكِنَّ يَدَيْهِ كَانَتَا قَصِيرَتَيْنِ. جَرَّبَ أَنْ يَضَعَهَا عَلَى أَغْصَانِ الزُّهُورِ الطَّوِيلَةِ، فَأَسْقَطَتْنَهَا الْأَغْصَانُ بِرِفْقٍ إِلَى يَدَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى. ضَحِكَ وَهُوَ يُجَاهدُ.
فَجْأَةً رَفَعَتِ النُّجُومَةُ نَفْسَهَا وَحَلَقَتْ حَوْلَ رَأْسِهِ كَفَرِاشَةٍ صَغِيرَةٍ، قَبْلَ أَنْ تَسْتَقِرَّ فِي رَاحَتِهِ. أَدْرَكَ زَيْدٌ أَنَّهَا لَيْسَتْ لَعِبَةً بَلْ كَائِنٌ يَحْتَاجُ إِلَى الْعَوْدَةِ إِلَى بَيْتِهِ.
جَلَسَ زَيْدٌ عَلَى الْعُشْبِ، وَأَحَاطَ النُّجُومَةَ بِيَدَيْهِ، وَبَدَأَ يَغْنِي لَهَا لَحْنًا هَادِئًا. انْتَصَبَتِ النُّجُومَةُ بِبُطْءٍ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، مُتَّجِةً نَحْوَ السَّمَاءِ كَالْمُنْتَادِ.
نَظَرَ إِلَيْهَا وَهُوَ يَتَّبِعُ صُعُودَهَا. ارْتَسَمَ ابْتِسَامَةٌ عَلَى شِفَاهِهِ حِينَ انْدَمَجَتْ بَيْنَ الْأُخُوَاطِ الْمُنِيرَةِ فِي السَّمَاءِ.
عَادَتِ الْحَدِيقَةُ إِلَى سُكُونِهَا. اِبْتَسَمَ زَيْدٌ وَهَنَأَهَا بِلَمْعَةِ عَيْنَيْهِ. تَرَكَ أَثَرَ خُطُوَاتِهِ عَلَى الْعُشْبِ، وَصَوْتُ حَرِيرِ الْأَوْرَاقِ يَصْحَبُ رَحِيلَهُ.
انْطَلَقَ نَحْوَ الْمَنْزِلِ تَحْتَ سَمَاءِ صَدِيقِهِ الَّتِي تَرَاقِبُهُ. أَوْمَضَتِ النُّجُومَةُ الذَّهَبِيَّةُ كَصَدِيقٍ جَدِيدٍ فِي الْأَعْلَى.